الأحد، 29 يونيو 2014


 جهاد الخازن: عنصري يكافح ضد العنصرية!

عبد الخالق كيطان

1.
أدّعي بأنني نجوت من محرقة الفكرة القومية، وشقيقتها الطائفية، منذ زمن بعيد. أحمد الله على ذلك.
2.
وبالطبع فإنني لست ضد القومية أو الطائفة. أفخر بقوميتي وطائفتي أيما فخر. فهما جزءان من أجزاء تشكل هويتي الشخصية.
3.
على أن القوميّ المتعصّب، وشقيقه الطائفيّ المتعصّب، تقوم حياتهما على فكرة إلغاء الآخر. شطبه. وهل يمكن أن يُشطب الآخر؟
4.
أمثلة عديدة في التاريخ عن هذين النموذجين. تحضر هذه الأمثلة بوصفها تعبيراً عن انحطاط الانسان. تحوله إلى آلة للقمع. لا يحضر مثالهما إلا وكان الموت هو النهر الذي حفراه بأيادٍ عارية.
5.
المناسبة؟
مقال "روتيني" للكاتب جهاد الخازن في جريدة "الحياة". ولقد جربت معنى المقال "الروتيني" ردحاً من الزمن! ولا أجد عيباً في جملتي السابقة.
أتابع، بسبب الروتين أيضاً، مقالات الخازن، وعشرات، وربما مئات الكتاب العرب. واسجل ملاحظاتي فأتفق مع هذا وأختلف مع ذاك. ولكن حالة الخازن منفردة، وليست فريدة، فلها أشقاء في "الشرق الأوسط" و"القدس العربي" و"العرب"، ولها اشقاء آخر في صحف تصدر في عمّان والكويت والقاهرة وتونس والرياض وبغداد... ألخ.. ألخ.. حالتهم تشبه المرض العضال، الذي تكشفه مجرد (كحة) خفيفة، فما بالك بمقال طويل عريض؟
6.
جهاد الخازن يكافح ضد العنصرية الاسرائيلية منذ سنوات طويلة. وهذا حقه. يعتقد أن الأمة الإسرائيلية أمة صهيونية لملوم. وهو حقه ايضاً. يصل في بعض اللحظات إلى ما يشبه فورة الغضب فتتبين من وراء سطور كلماته رغبة عميقة بأن يفني اليهود (لا يقول اليهود هنا، بل الصهاينة) عن بكرة أبيهم. ولك أن تتفق أو تختلف مع فكرة دموية مثل هذه. الحماسة القومية ذاتها التي يدينها أصحاب اليسار، وينعتون اليمين بها، وخاصة: اليمين المتطرف، الليكودي.. ألخ. ولكن هؤلاء يقعون في الفخ الذي نصبوه للآخر، فيصبحون يمينيون أكثر من اليمين المتطرف ذاته.
7.
في مقال نشره مؤخراً في "الحياة" وحمل عنوان "فؤاد عجمي" أراد الخازن أن يقول كلمة في رحيل صاحب العنوان، فيستهل مقاله بجملة تنضح تحريضاً، يقول: "توفي فؤاد عجمي. لعل من القراء مَنْ يذكر دوره في تأييد حرب إدارة بوش الابن على العراق ونشاطه ضمن المحافظين الجدد ضد العرب والمسلمين"، فهل يمكن أن تكون جملة مثل هذه سوى حكم بالإعدام؟ يتابع جهاد الخازن فيكتب مباشرة: "كتبت عنه غير مرة في حياته، وانتقدته بحدة. أما وقد مات فلن أهاجمه وإنما أسجل معلومات صحيحة عنه"، فما هي المعلومات الصحيحة هذه؟ إنها لا تعدو عن أن تكون مجموعة من الرصاص المليء بالحقد والكراهية، شريط طويل من الرصاص يبدأ بتهم العمالة لإسرائيل ولا ينتهي بكراهية العرق النقي، أي العرب.
يقول الخازن: "هو شيعي من أرنون في جنوب لبنان، ذهب الى الولايات المتحدة واختلف مع العرب فيها واختار الإنضمام الى أعدائهم. وكنت عرفت بموته من نعي تلقيته من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى الذي أسسه مارتن انديك للدفاع عن اسرائيل. وقرأت ان «الأمناء في المعهد والباحثين والموظفين ينعون غياب صديق وزميل وأستاذ يتمتع بحكمة نادرة وبُعد نظر وعطف...».
"نسمع: قلْ لي مَنْ تعاشر أقل لك مَنْ أنت. وفؤاد عجمي عاشر غلاة الصهيونيين والليكوديين، وكان جزءاً من حرب قتلت مئات ألوف العرب والمسلمين، وبقي على موقفه حتى مات بالسرطان".
وأترك لك التعليق حول شريط الرصاص هذا.
8.
في المقال ذاته يريد الخازن إدانة أستراليا لأنها لم تستخدم مصطلح "المتنازع عليها" في وصف القدس، فماذا يكتب؟ إنه لا يجد أسهل من القول أن رئيس الوزراء الأسترالي "يميني أحمق له مواقف ضد الدول العربية ومصالحها" وأن "بريطانيا العظمى نفت المجرمين الى استراليا وكانوا أساس الدولة التالية فقد بحثت عن أصل أبوت وفصله لعله يعود الى أولئك المجرمين القدامى، غير أنني وجدت أنه مهاجر ولد في لندن لأب انكليزي هاجر الى استراليا وأم استرالية ثم عادا الى بريطانيا".. أنظر لغة التحقير العنصري ضد أستراليا، حكومة وشعباً! وهو تحقير عنصري أيضاً ضد بريطانيا، التي يقيم الخازن فيها، حيث أنها أنجبت رئيس وزراء أستراليا... ثم يسألونك عن الجهاديين التكفيريين البريطانيين، هذا واحد منهم.
9.
وفي المقال ذاته، المنشور بتاريخ 29 حزيران 2014، يسخر الخازن من التضامن الدولي، الأميركي خاصة، مع الصحافيين الذين حكمت عليهم المحاكم المصرية بتهم الكذب والتحريض على العنف. لا يريد من ذلك سوى شتم أميركا. مثل أي عنصري متطرف يرى في الآخر مجرد عدو وإن كان موقف هذا العدو مع حريتك وضد عبوديتك. يستكثر أن تستنكر الولايات المتحدة تقييد حرية الصحافة! ماذا لو كان المستنكر غير أميركا؟
10.
يتساءل عرب عن سرّ تخلفنا، والجواب بسيط للغاية: وجود نخبة عنصرية، مثل السيد الخازن، هي أول البلايا. مثل هؤلاء يكفرون الآخر لمجرد أنه آخر، ناهيك عن إحساسهم العميق بالمظلومية، وهو إحساس صنعوه بأنفسهم فضخموه فألقوا بتبعاته على الآخر، دون أن نبرئ هذا الآخر من استمتاعه بالجلوس في كراسي المتفرجين ليضحك كثيراً.. وكثيراً.. من هذا العنصري الطائفي، وشقيقه القومجي!


*********

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق