الاثنين، 9 يونيو 2014

خمسة زعماء في العراق وسادسهم ينتظر



عبد الخالق كيطان

لم يعد يفصل العراقيين عن موعد الاقتراع العام سوى بضعة أيام، وهو اقتراع سيقود لتشكيل حكومة جديدة. النظام الجديد في العراق كرّس مجموعة من القيم، والتي صارت شبه قوانين لتسيير الحياة في هذه البلاد، ومن تلك القيم ما عاد يعرف بالمحاصصة. والمحاصصة، في أبسط تعريفاتها، هي محاولة لمنح الفئات كلها حصة في الحكم.
ولقد قاد نظام المحاصصة هذا إلى أن يقود البلاد، وفقاً للدستور، شخص رئيس مجلس الوزراء. وبما أن الأحزاب الشيعيّة حصدت في الدورات الانتخابية الماضية المراتب الأعلى في نتائج التصويت فلقد صار المنصب من حصة الشيعة، يدعم ذلك تصوّر قارّ بأن الشيعة هم أكثر عدداً من السنّة والكرد وباقي الفئات.
المناصب الأخرى، وأبرزها رئاسة البرلمان ورئاسة الجمهورية، لم يولها الدستور العراقي، بعد العام 2003، الأهمية التي أولاها لمنصب رئيس مجلس الوزراء. أحزاب الشيعة، إذن، وجدت في المنصب الأبرز ضالتها، وتركت للآخرين التقاتل من أجل المنصبين الآخرين.
طبقاً لهذا التصور، الذي حدّدته، كما أشرنا، قيم غير مكتوبة في الدستور، فإن منصب رئيس مجلس الوزراء سيكون من حصة أحد التيّارات الشيعيّة الكبرى التي تتنافس في الانتخابات، وهي:
-        حزب الدعوة وتحالف دولة القانون بقيادة رئيس مجلس الوزراء الحالي نوري المالكي.
-        المجلس الأعلى الإسلامي بزعامة عمار الحكيم.
-        التيار الصدري الذي يشرف عليه السيد مقتدى الصدر.
وتنضوي داخل هذه التيّارات الرئيسة أحزاب ومكونات شيعيّة أخرى صغيرة، أبرزها جماعة الفضيلة الذين يتبعون مرجعية الشيخ اليعقوبي، وجماعة بدر الذين يتبعون زعيمهم هادي العامري، المنشق عن مجلس الحكيم والملتحق بركب المالكي، وهنالك عصائب أهل الحقّ المنشقة عن التيار الصدري واللاحقة بالمالكي أيضاً. دون أن ننسى تياراً شيعياً آخر يمثله السيد ابراهيم الجعفري، وهو تيار منشق بالأصل عن تيار حزب الدعوة.
أما أبرز مرشحي تلك التيارات لمنصب رئيس الوزراء فهم:
عن التيار الأول: نوري المالكي، علي الأديب.
عن التيار الثاني: عادل عبد المهدي، باقر جبر صولاغ، أحمد الجلبي.
عن التيار الثالث: ؟
أما تيار الجعفري فيقدم زعيمه بوصفه "القوي الأمين" لمنصب رئيس مجلس الوزراء، على أن قناعة شعبية، وأخرى في أروقة الساسة، تفيد باستحالة ذلك. لن يسمح تيار المالكي له بالصعود من جديد، وقل الأمر نفسه على باقي المكونات الشيعيّة. فيما السنّة يرون فيه شراً لا يقلّ عن شرّ المالكي، وكثيراً ما يسخر الكرد من هذا الرجل الذي حكم العراق لشهور عدّة شهدت أكبر موجة عنف طائفي في البلاد وختمها بكتاب يروي فيه سيرته في الحكم!
وتبدو حظوظ علي الأديب معدومة جداً، مع ذلك يرد أسمه، واسم مدير مكتب المالكي طارق نجم، باستمرار بوصفهما من الممكن أن يشغلا الموقع في حال أصرّت باقي الأطراف، شيعيّة وسنيّة وكرديّة، على رفض تولّي المالكي لولاية ثالثة. والأديب رجل إيراني فيما الثاني دمية بيد المالكي، وفي الحالين فهما لن يكونا الخيار الأصحّ.
ماذا عن نوري المالكي؟ لقد كتبت في هذا الرجل الكتب، ولم يعد متسع لكي نضيف شيئاً إلى ذلك. بقاؤه في الحكم معناه تكريس مقصود لتدمير العراق بشكل نهائي.
أما المرشّحون الذين يبشّر بهم المجلس الأعلى فتشوبهم جميعاً بعض الشوائب، فيما ينظر لهم السنّة نظرة فيها الكثير من الريبة وإن كانت نظرتهم لهم أقل سوءاً من نظرتهم لجماعة المالكي. ويبقى الكرد في هذه المعادلة الأقرب لجماعة الحكيم من جماعة المالكي، دون أن يعني ذلك استبعاد مفاجآت المصالح التي قد تظهر بعد فرز نتائج الانتخابات.
السيد عادل عبد المهدي متقلب في الأفكار، وهذه ليست مثلبة، ولكنه يتماهى مع الكتلة التي ينتمي لها فيبدو سلبياًّ في الكثير من الأحيان. كانت صوره في المواكب الحسينيّة تريد تقديمه بوصفه أبن الطائفة، ولكنها عكست من جانب آخر صورة عن رجل الدولة في العراق الجديد! ثم جائت قصة مصرف الزوية في بغداد لتلقي ظلالاً كئيبة على صورته الغامضة، وعلاوة على ذلك فالرجل يكرّس صفحاته في مواقع التواصل الاجتماعي لنشر الأدعية، وخصوصاً مساءات الخميس! ويوجه عبد المهدي نقدات خجولة، وأحياناً تكون حادة، لسياسات رئيس مجلس الوزراء الحالي، وذلك عبر الجريدة التي يملكها "العدالة". ومن الجدير بالذكر هنا القول أن مرتبات العاملين في الجريدة، ناهيك عن حقوقهم، تنسجم وسيرة الصحف الحزبية الأخرى، على ما أفاد عدد من العاملين في الصحيفة قبل سنوات وهم يتشكون من حالهم غير القانوني، بل غير الانساني.. أنتم تتذكرون، في هذا السياق، أن قتلة حرس مصرف الزوية ولصوصه قد لاذوا بمقر الجريدة هذا!
وبرغم مقبوليته من قبل بعض السنّة، وما يرد من تصريحات كردية، لمنصب رئيس الوزراء، إلا أن أطرافاً نافذة في التيارات الشيعيّة ترى فيه شخصاً ضعيفاً يجيد التنظير أكثر من العمل، وإن كانت صفة التنظير هذه حصرية بالسيد ابراهيم الجعفري الذي يتفوّق على عبد المهدي بقدرة خطابية. كما أن مقبوليته من قبل إيران والولايات المتحدة ودول الإقليم والمحيط العربي موضع شكوك.
وعلى هذا المنوال يمكن استبعاد المرشح الثاني لمجلس الحكيم، وهو السيد باقر جبر، فسيرة "الدريل" التي شاعت إبان توليه وزارة الداخلية في حكومة الجعفري، على كل لسان. التيارات السنيّة والكرديّة بشكل عام لن تقبل به رئيساً للوزراء حتى لو غيّر من خطابه وبدّل من أساليبه، ولقد فعل ذلك حقاً في الأعوام الأخيرة. ماذا عن علاقاته العربية والدولية؟ صفر على الشمال!
ويبقى شخص أحمد الجلبي، الذي اقترن اسمه بقانون تحرير العراق الذي أقرّته إدارة الرئيس بيل كلنتون عام 1998. وكان الجلبي من أوائل الساسة المنفيين الذين دخلوا العراق. صوره بقبعة الكابوي ترافقه أبنته ببنطال الجينز في صحراء الناصرية أكسبته المزيد من الأصدقاء، كما الأعداء. ولكن حملة أميركية منظّمة تقصّدته، خاصة وانه يمّم وجهه شطر إيران. لقد أدرك الرجل قوة طهران في المعادلة السياسيّة الجديدة في العراق، ولكنه فشل على الدوام في أن يقود العراق. وبالرغم من صلاته الوثيقة مع جزء من القوى الكردية، إلا أن الجزء الأقوى كان دخل معه في حرب علنية تكللت بطلب مباشر من قبل السيد مسعود البرزاني للرئيس الأسبق صدام حسين بضرورة التدخل، فأرسل هذا الأخير قوات الحرس الجمهوري لتطرد جماعة الجلبي من شمال العراق عام 1996. وعلى جانب سنّة العراق فهم ينظرون له بوصفه أحد أبرز المسهمين في غزو العراق وإسقاط نظامه الوطني، وهم لن يسامحوه على ذلك. فيما علاقاته العربية سيئة جداً، خصوصاً مع أحد أبرز دول الجوار، وهي المملكة الأردنية الهاشمية، على خلفية قضايا نصب مصرفي.
هؤلاء هم أبرز الذين تتداول التيارات الشيعيّة أسماؤهم بوصفهم مرشحيها لمنصب رئاسة الوزراء، وكما يبدو فهم متساوون لجهة ضعف حظوظهم، فيما يبقى المرشح السادس، والذي هو مرشح التيار الصدري مجهولاً.
لقد تنقل الصدريون من خانة حمل السلاح بوجه الجميع لخانة تغليب لغة الحوار مع الجميع. وبالرغم من شبهات فساد تحيط ببعض أسماءهم البارزة فإن خطاب زعيمهم في الأعوام الأخيرة، بما تضمّنه من انفتاح وتسامح ورغبة في تجاوز عثرات الماضي، شكل نقلة جديدة وبارزة في المشهد السياسي العراقي. ومع هذا التحول بدأت قيادات في التيار الصدري تروّج لمقولة أن منصب رئيس الوزراء القادم سيكون من حصتهم. وبدأ التيار يتداول أسماء عدد من رموزهم بوصفهم المرشحين المحتملين، ومن هؤلاء السيد علي دوّاي، محافظ العمارة.
ولكن ما هي مؤهلات السيد دوّاي السياسيّة والفكريّة لمنصب خطير هو منصب قيادة العراق، غير ارتداءه بدلة العمل الزرقاء وأكل البيض المقلي رفقة عمال البلدية على الأرصفة؟
ربما يكون أسم السيد دوّاي قد قذف على الطريق لجسّ النبض، فيما ادّخر قادة التيار الصدري أسماء أخرى، خاصة وان التيار يضمّ مجموعة بارزة من العقول التي يمكن التعويل عليها. 
لقد فرض النظام الجديد في العراق معادلات بعيدة البعد كله عن معايير السياسة المعروفة، وبالتالي، فليس من الغريب أن ينتج هذا النظام مجموعة من المرشّحين لقيادة العراق أسوأهم أحسن من أفضلهم!


****

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق