وضعتُ جبهتي على الرمل الجّافّ، والشّمس لمّا تشرق بعد. المحيط
أمامي، تزبد الموجات غضباً، يكاد قلبي ينخلع من مكانه لذلك الصوت العنيف. كل شيء كان
هادئاً عدا ذلك، ولم يكن في المكان غيري، أنا الذي لامست جبهتي الرمل الجّافّ.
قلت، وقد أغمضت عينيّ، أن هذه الموجات المرعبة لن تصل إلى
مكاني، ستتكسّر بعيداً عني، وستظل تنشد مع نفسها، نشيداً شديد الخصوصية، هو نشيدها
الذي لا يتّصل بنشيدي، ولن يتعدّاه. لم يكن رهاناً، بل اليقين الذي يدور حول رأسي،
مثل هالة ملائكية، وربما العكس.
قلت، وقد أغمضت عينيّ، أن المحيط الذي يقع الآن أمامي ليس
هو الذي سوف يشغلني عما أنا فيه من وجد مفترض. ثمة الساقين الورديتين اللتين حلمت بهما
قبل ساعة، فولّيت الأدبار، وركضت جهة الساحل الذي أنا فيه الآن. الماء المالح وقد انهمر
على رأسي، وتغلغل في مساماتي، لربما يكون الوحيد الذي يغسل آثامي. أستدركتُ: وهل لنصفِ
عاقلٍ مثلي آثام أيضاً؟
انك تعرف جيداً أن لا أحد سيجيب على هذا السؤال. ستظل جبهتك
ثابتة على الرمل، الرمل الجّافّ، والذي لن تصله موجات المحيط الغاضبات.
لقد رأيتكَ مجسداً للمرة الأولى. رأيتك بعيداً، البعد كله،
عن الصورة التي لقّنونني إياها في طفولتي، كما كنتَ بعيداً عن الصورة التي رسمتها لكَ
أيام فتوتي، وبعيداً أيضاً عن الصورة التي استخلصتها من الكتب ومحلات الورّاقين والخطّاطين،
كانت صورتك بعيدة جداً عن تلك التي يعلقها الأمّيّون على حيطان غرفهم، ولا تشبه صورتكَ،
التي أراها الآن ببراعة، الصورة التي يخفيها الأنبياء والفلاسفة على حد سواء. صورتكَ،
التي أضغط عليها بجبهتي، مصنوعة من الرمل، وأنا أخشى، بقوّة وألم، من أن تصلها الموجات
الغاضبات.
وهب أن الصورة تلاشت، فإن خرافتها تسكن الآن في باطن عقلي،
وباطن روحي. انها تتشكل كلما أردت ذلك. أستدعيها فتحضر. ولكنها غير قادرة على فعل شيء
سوى الحضور. يخيّل لي أن حضورها القاتم هذا جزء من لعبة شبيهة بألعاب الأندروييد المصمّمة
للقتل، أكثر من ايّ شيء آخر. لم أكن أريد لصورتك أن تكون صورة قاتل مضطرب عقلياً، ولكنها
الصورة التي توحي بذلك، وليس أنتَ.
سألتك: لم أكن أريد أن أجرّب كرمك، فأنت غنيّ، ومشهور بالغنى.
تملك ما لا أملك. وتعطي ما لا أستطيع أن أعطي. فهل تبخل إلا معي؟ أتراك تدمن وضعي في
هيئة الذي لا يقوى على المشي، وتطلب مني المشاركة في سباق للمائة متر– حواجز؟
تركتَ المقاعد كلها لتشغر. لم تتدخل في ذلك أبداً. كان أصحاب
المقاعد يغيبون واحداً واحداً، وكنت تصمت عن ذلك. ومع نفسي، وجدت الحجج المناسبة لهذا
الصمت. أنتَ لم تسألني تفسيراً، ولم تطلب مني تبريراً. أنتَ لم ترني أيضاً، ولكنني
كنت أرى القاعة وهي تتخفّف من روّادها. مخيف هذا الذي يجري. خمسون عاماً تكاد تنقضي،
وأنا لا أرى سوى مشهددٍ مكرّرٍ عن القاعة التي تتخفّف من روّادها.
سألتكَ: وكان الأطفال يتجمدون في الخيام. عام يتبعه عام من
التقلبات المناخية الصّارمة. ما كان صحراءً بالأمس صارت تغطّيه الثلوج اليوم. النسوة
لا يملكن أكثر من التحوّل إلى بغايا، ولا يملك الرجال مهمة أنصع من مراقبة الشارع.
يتعثّر الرجال بكرات الثلج التي تخفي بداخلها قنانٍ من الدم. ومع أوّل شعاع للشّمس
تنفجر الدمامل، ويكثر النحيب.
كان سؤالي عن الأب الذي قتل في المحرقة الأخيرة، أردنا الوصول
لجثته فقط.
رأيتك تعلك مرّة. ومرّة كنت تدخّن الماريجوانا. رأيتك تحتسي
نبيذاً أحمر من مزارع الجنوب. ورأيتُ ملعقتك الفضية، في طريقها لفمك، وهي تحمل الكافيار
الممزوج بعصير الليمون. رأيت نهدين أنثويين بقربك، ولم أميّز صاحبتهما. رأيت خادماً
يقف على رأسك ووراءه امرأة ثكلى. رأيت ورائهما غلاماً أمرد، ووراءه صبيّة بيضاء، وحول
رأسها أفعى. رأيت شمعة على اليمين، وأختها على الشمال. رأيت البخور، والطيور، وصفّاً
من العراة يحتشدون لأخذ أماكنهم.
سألتك: أنا طمّاع مثل أخي، ولكنه يطيل النوم على عكس ما أحب.
لم أره منذ ألف عام. ألفُ عام وهو يغطّ في النوم، أما أنا فأقضي الليالي منتظراً فجرها.
في كل ليلة أجلس جوار النافذة وأتطلع إلى السماء. مرّت عليّ ألف ليلة وأخي مستغرق،
قدّامي، بنومته. وفي ليلة موعودة هطل من السماء سيفٌ قطعه إلى نصفين. نصف تحوّل فوراً
إلى أفعى خرجت حالاً من تحت الباب، فيما صار النصف الثاني رماداً.
سألتك عن الحكمة، إذن. لم يكن سوانا. أنا والأفعى. رأيت لسانها،
فسجدتُ صريعاً.
رفعتُ رأسي وكانت الموجةُ الأخيرة قد ألقت كل ما حملته من
قذارة على أطراف قدميّ.
****
سيدني في
5\2\2016
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق