الاثنين، 8 أغسطس 2016

صورة فوتوغرافية في جيبي لصديق أحمل اسمه


أنت تحلّق الآن بالقرب من أبينا (*)
هو ينظر إليك بحنو وعجز
***
كنّا معاً نخيط سجّادة عمادها الصبر والخوف، وكنت غير عابئ.
كان عليّ ان اقول: قلق أكثر، فتشغل نفسك بالأنيس.
لم يكن الأنيس سوى قصة خراب.
كنّا معاً في الأمسيات الباردة نذرع بغداد بحثاً عن أمل
أمل قد تراه في عينيّ صباغ الأحذية الكهل... 
أو في خطوات عابثة في البتاويين
كيف نجوتُ من ذلك؟ وكيف استطعتَ مبايعة آلامك حارساً شخصياً؟
أتساءل الآن بكثير من الاسترخاء
معي طفلة كنت أتمنى أن تستقبلك بحروفها الخالية من المعنى
كنت أتمنى أن تحملها في الهواء فأسمع شهقات فرحها وأنت تلوّح لها،
تماماً كما كنت تلوّح لأبيها، الذي هو أنا، عندما أخرج من سيارتك لتصدمني أخرى مسرعة في شارع الرشيد.
ياه... هل تذكر شارع الرشيد عندما صار قفراً؟
انت، يا سميّي، والشارع تؤمان
مثل رخامة فيه.. أو مقهى.. أو مسنٍ لا يجد ضيراً في الحديث عن التواريخ.
وكنتَ أكثرنا وسامة
فتانا الذي يمشي في الكرادة فتنشد شجيرات الشبوي تحيّته
ها أنت تغيب فيما كل شيء من حولي يدعو إلى كتابة مرثية
بلادنا التي صارت وهماً مكرّساً
المسارح التي عشقناها معاً
القصائد، وديستوفسكي، والسخرية اللاذعة
أمد يدي إلى جيبي 
وأغمض عيني



****

(*) روحك أخي عبد الخالق المختار مازالت ندية في ذاكرتي... كل يوم.. أتفقد رأسي كي أتيقن من أنك مازلت مقيماً ولم تبرح مكانك... كثير الهموم، الذي تعرفه، مشغول بما يصدر عنك من رقة تعودت عليها. رقة صارت اليوم أندر ما يمكن تخيله.


عمان

أواخر 2012

الأربعاء، 3 أغسطس 2016

مقاطع من قصة الرسول الذي لم يركب حصاناً قط



1.
كان من الممكن أن يهبط أرضاً غير هذه
لم يكن في الأمر معجزة أو حتى عثرة حظ
لقد وقف في مركز صحراء قاحلة
تلفّت كثيراً
ثم سار في الاتجاه الذي سيشيّد فيه، لاحقاً، خيمة
خيمته هو
أما الذين تهرّأت أجسادهم من رحلات النفي المستمرة
فلم يجدوا أخيراً غير ظلّ خيمة
ركعت أبلهم
تمطّت كلابهم
ووضع نسوتهم القدور على النار أخيراً


2.
مصر لم تعد ترسل الهدايا
مصر يحيطها بحر وصحراء، ثم بشر أجلاف
مصر التي يفتح أبناؤها الشبابيك فلا تجد من يغلقها
دهمها صوت الخيول وهي تعدو مسرعة
خمس وعشرون فارساً يحملون رؤوس الحكماء على أسنّة الرماح
ومن خلفهم قارعو الطبول
الطبول الضخمة
التي تصيب الفقراء بالطرش


3.
وفي أواسط العراق نحرت الخراف
رجال ضخام يدفعون دناناً من النبيذ عمرها بعمر هذي البلاد
كانت الخراف قد علّقت الآن على سياخ الشواء
وأجبرت النسوة على التعري، ومن ثم الرقص
في بابل كانت المرأة تخدم
وها هي تخدم أيضاً
الكهنة الذين شكلوا حلقة من نار حول سيدهم
باركوا العري
باركوا النبيذ
وباركوا اللحم المشوي
كل شيء هنا يكمل بعضه البعض
إلا أن لفح الصحراء كان قاسياً
المدن المشيّدة على ضفاف الانهار كانت قد بدأت النحيب
لقد سلب الكهنة نسائهم ونبيذهم وأغنامهم
ولم يتركوا لهم غير أغنية حزينة يرددونها في كل عام
أغنية بطلها رجل وسيم أحاط به خمس وعشرون حكيماً قبل أن يسلخوا جلده


4.
كان المطر قد توقف عندما دخل القرية رجل يعتلي جواداً
الأرض موحلة
والناس بلا هدى يبحثون عما يسدّ رمق الأطفال في هذا الشتاء اللعين
أصاخ الرجل أسماعه
هاله الأنين الذي لا ينقطع وهو يخرج من بيوت القرية بيتاً بيتاً
تذكّر البحيرة التي مرً بها قبل وصوله القرية بزمن يسير
لم يكن ذلك حلماً
الذين تجمعوا الآن قادمون من مختلف الأصقاع
بينهم رجال ضخام، فتيان بوجوه أنثوية، نساء بلا ملامح
آخرون بعيون مستطيلة
لا جياد هنا
ثمّة الكثير من البيارق، والقليل النادر من الماء
ثمّة الكثير من أسياخ الحديد، والقليل النادر من الجاموس
لا جياد هنا
لا ريب في أن الرجل الذي مرّ من هنا قبل هنيهة بدا متجهماً
كان هو
هو وليس سواه، الذي مرّر يديه على رأس غلام فتطايرت من حوله رؤوس الرجال
من هو؟
الرسول الذي لم يعرف أبداً شكل الخيول
ومع ذلك
يأكل من لحمها كل مساء


5.
أتت الفؤوس على الكثير من التماثيل
وتكفّل القحط الذي مرّت به الأرض باقتلاع الأشجار


6.
هذه الأكاذيب النديّة
يلقيها على الناس
فتزهر على الفور قبوراً

7.
نحن هنا لأننا نريد أن نبقى هنا
سنظل نغنّي في المساءات الحزينة، وقبل أن نهجع إلى مضاجعنا،
الأغنية ذاتها التي أنشدها أسلافنا
أغنية عن الفتيان الذين يأخذهم الكاهن في كلّ فجر لكي يلقي بهم إلى فم مفتوح، ثم يعود إلينا ببضعة ربطات من الخبز.
وبينما ننهمك بالتهام الخبز يكون كاهننا قد خلد إلى النوم مطمئناً
نحن هنا لأننا نريد أن نبقى هنا
سيتجمّع المئات من الرجال الأشداء
وسيلوّحون لأعناقنا بسيوفهم
ولكنّنا سنبقى هنا
حتى لو لم يصل الرسول الذي انتظرناه العمر كله
حتى لو سمعنا أن هؤلاء الرجال قد قطّعوا أوصاله في الصحراء
سنبقى هنا لأننا نريد أن نبقى هنا

*****


سيدني في
30/9/2015