السبت، 8 أكتوبر 2016

في عرف الشتاء




هكذا يبدو الأمر
مثل امرأة تسمّرت خلف باب المنزل
الشتاءات تمرّ
والمرأة لا تبارح مكانها
ربّ المنزل ظنّها يوما تمثاله الذي صنعته يداه ذات شتاء قديم
ألقى عليها عباءته
وكلما جنّ ليل
تسلّل إليها
يرفع العباءة
ثم يبدأ بدهن التمثال بماء مزهر
أبناؤها سأموا من كثرة توسلاتهم لها
كلّ ذلك يذهب هباء
الأولاد منهم يقضّون الليل في أحضان حبيباتهم
والبنات منهم يخرجن في الصباحات الباكرة ولا يعدن إلا بعد انقضاء فاصل الأب وتمثاله.
أين تذهب الفتيات؟
رجال أشقياء يؤكدون أنهم صادفوهن في المقبرة
عاهرة ذائعة تؤكد أن الفتيات مهووسات بجمع العظام
الأمر المفروغ منه إنهن يلتقين سرّا بمشعوذ
 أربعون عاما انقضت
مثل امرأة تسمّرت خلف باب المنزل
لا أحد يعرف من أمرها شيئا
الشتاءات تمرّ وقد سقط الكثير جدا من القتلى
تمرّ الشتاءات
لا يبدو أنها ليلة مختلفة
هكذا يبدو الأمر
لقد مرّ وقت طويل
فلا المرأة تحركت
ولا الرجل يرضى أن يموت
ولا الفتيان غيّروا عادات الليل
ولا الفتيات وصلن قبل موعدهن.
هكذا يبدو الأمر.
****
سيدني

10/8/2016

الأحد، 11 سبتمبر 2016

نافذة معلقة في الهواء




كم كنت مدهشة وأنت تقفين جوار النافذة!
الموسيقى المنبعثة من العطر الذي تضعين تأخذني إلى غابة نائية
الغابة على رأس جبل... والصعود إلى قمة هذا الجبل تحتاج مهارة في قيادة السيارة.. كيف لي أن أكون ماهراً في القيادة وقد أمضيت عقوداً في الخوف منها؟ ذلك الخوف الذي زرعه فيّ أب كادت السيارة أن تقصف عمره..
كان عليّ أن أتعلم القيادة من أجل اللحظة هذه..
طريق مخيف لسائق بلا خبرة يريد أن يصل إلى غابة على قمة جبل..
وكنت واقفة جوار النافذة المعلقة بالهواء
شاهدت من حولك الكثير من العصافير والفخاتي التي لم يفزعها، على غير عادتها، حركة يديك في تصفيف شعرك المتوسط ..
أدرك أيتها المرأة أي صدفة قادتني إليك... وتدركين أي صدفة وضعتني في طريقك
فهل الصدفة هي المعيش الذي نبذل من أجله حياتنا؟
وهل كنت، على الأقل، أبحث عن صدفة كي يتمدد جسدي ويأخذ له قسطاً من الأمل بعد ما مضى من تاريخ طويل أنفقته في الفجيعة؟
فخ كنت؟
وماذا يهم ما دام هذا الفخ يمنحني فرصة استثنائية للفرح..
نقف كلانا على قمة الجبل، وسط الغابة تحديداً..
نستذكر فيلما يصرخ بطله وهو يحتضن شجرة عملاقة
يصرخ ليطلق آهته..
ولكننا لا نصرخ هنا بل نصمت
ومن حولنا أصوات الطبيعة ترسل مفاتنها على هيئة طيور وريح وموسيقى متداخلة
أنت أمامي... أنا في نصف حضور
وبيننا هذا الصباح الممتد على آخره
نعيد معاً أو نستعيد حركة المتثائب في جبهة حرب
وتصرخين: يا للتشبيه! تفرين مذعورة إلى أقصى الغابة
أركض مسرعاً في اتجاه آخر
ثم نلتقي عند دائرة فوق القمة تتسع لمجنونين من زمن عاطل
كم كنت مدهشة وأنت تقفين جوار النافذة!
النافذة المعلقة في الهواء!



****

الأربعاء، 7 سبتمبر 2016

المعجزة





تبدأ الرجفة في رأسه 
يمضي ساعات وهو يتطلع إلى معجزة
كل افتراض يحمل استحالته أيضا 
البداهة تستدعي افتراضا يمكن تحقيقه
يرفع رأسه مرات
ومرات ينكسر
يخاطبه:
يا سندي في الملمات، هل تصبر قليلا؟
ومثل ذرة رمل لا تريد أن تضيع في زحمة الموج 
يدير رأسه سريعا
انه يبحث ويبحث
وفي كل بحث يجريه
ثمة لهاث لا ينقطع
ثمّة أنين 
وسائد غير مرتبة
كؤوس من الشجن والمرارة
المعجزة لا تتحقق
أن تتحقق المعجزة يعني أنها افتراض ممكن
هي مثله 
وهو مثلها
شريكان هما في الجريمة التي اقترفاها: 
قتل المعجزة!


سيدني
11/08/2016



http://www.tatoopaper.com/news.php?action=view&id=1865

الجمعة، 2 سبتمبر 2016

أبناء القيامة




تقول حبيبتي: نحن أبناء القيامة، فيزداد التراب الأحمر على الرؤوس. 
 القيامة التي ترعد في العراق بين لحظة وأخرى، تمرين على محو من ظلوا يناكفون بعضهم بحديث الشيعة والسنّة... 
هذه ليست سوى سجايانا، بها نعبر إلى قرن جديد، ومنها نستلُّ سيوفنا في التصدي لبعضنا..
قيامتنا التي نصنعها اليوم، بلا بصيرة، بل بشهوة المحو الذي كنت أتحدّث عنه.
أمرُّ في بغداد، وأرى يافطات المحو في التقاطعات والشوارع العامّة...
من أين خرج كلّ هؤلاء؟ وكيف وصلوا إلى سجايانا؟ 
كنت أمرُّ جوار حائط كونكريتيّ، على الحائط صورة أحدهم، وغير بعيد عنه، بقايا أكياس من النايلون... صخب في الشارع، لأن الجندي المأمور لا يسمح جهازه الرفيع* للسيارات بالمرور... شتمه جاري، تأفّفتُ... وأخرج أحدنا رأسَه من النافذة ليبصق. أدرت وجهي إلى حيث ترطن مسنًة بما لا أفهم... دعتني لأن أراجع حساباتي قبل أن أحرّك شفاهي. زمجر سائق السيارة "الكيا"** غاضباً على "سايبا"*** تجاوزته بعنف... لم يتمالك الجالس ورائي نفسه، أشعل سيجارة قضى دخانها على ما تبقى من عطر "شانيل" الذي تعطّرت به قبل ساعتين. هل هذه هي القيامة؟
***
عمّنا الهاشمي القرشي، فيصل الأول، يتحوّل إلى سنّي يقصي الشيعة، ويتحوّل عبد الكريم قاسم، الذي أهان الدولة، إلى شيعيّ يريد إعادة النصاب لأهله... ثم يأتي الفارس الأوحد، الملهم بإذن ربه، فيتقاذفه الفريقان، ولا ننجو من حممه حتى وهو يرقد في القبر... من خلّفوه، ليسوا أكثر من حفنة منتقمين.. انتقموا من الإنسان... من الزرع.. ومن الماشية.. انتقموا من الجمال، والبيوت الآمنة.. أنتقموا حتى من أرصفة العزّل، فأعادوا طلائها عشرات المرات في عام واحد، كان لزاماً علينا أن نسبح مع السيارات في شارع ضيق بهذا العام الواحد.. المنتقمون، ورثة الدم العراقي، لا يبهرهم مشهد الأشلاء في غير مكان... فهل هذه هي القيامة؟
***
وفي المنافي، يذرف العراقيون دموع الحسرة على بلاد ضيّعوها، أو أضاعتهم. يعودون بين حين وآخر ليرتشفوا منها عذاباً مضافاً. وفي منافيهم البعيدة يتسمّرون أمام شاشات الكومبيوترات بحثاً عن أمل. لا أمل أيها الفارّون... لا أمل... احمدوا ربكم الذي خلقكم على نعمته عليكم... فالتراب الأحمر والمفخّخات لن تبقي لكم في بلاد المولد سوى بضع حجارات... محسودون أنتم على نحيبكم.. محسودون على التهمة الجاهزة: نساء شقراوات، ونبيذ أحمر، وحقول خضراء... ثم لماذا تضيّعون الوقت بالنحيب؟ القيامة لا تحب النحيب... القيامة أن تدوسوا على لحمكم، وربما تطعموه لكلاب الزينة خاصّتكم... فهل حقاً هذه هي القيامة؟
***
وأذرع بلادي عارفاً بمتاهاتها كلّها... اذرعها دون خوف طائفي، ولماذا أخاف وأنا لا أملك في أرض الله غير روحي وبضعة محبين؟ أجول بين أنهارها التي تتيبّس كل يوم، النهران العظيمان يطلقان الجثث الآدميّة، والأسماك شحّت..  صحاري البلاد تقذفنا بالحمم... ومزارعها فقيرة وحيواناتها نفقت.. أجول بين مدن يخجل الرب من النظر إليها... بين قرى أصابها الفزع فانقطعت الدجاجات فيها عن اللهو، وهزلت أغنامها... لم يكن في حسابي أن يعود العراقي إلى فطرة قابيل، "فَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ"... فهل هذه هي القيامة؟
***
القيامة
القيامة
القيامة
كلنا نبصق في البئر الذي شربنا منه ذات يوم، فعن أي قيامة أتحدث؟ 
*******

عمان في 
19\4\2012


* جهاز لكشف المتفجرات يستخدمه الجنود العراقيون في الحواجز التي تملئ المدن. أصبح مادة للسخرية بعد أن كشف النقاب عن فساد عظيم في الصفقة التي وصل بموجبها للعراق.
**الكيا: سيارة نقل جماعي منتشرة في بغداد ومدن العراق الأخرى.
***سايبا: سيارة أجرة، صغيرة الحجم، صناعة إيرانية، تكاد تكون الأشهر في عراق ما بعد 2003.


الاثنين، 8 أغسطس 2016

صورة فوتوغرافية في جيبي لصديق أحمل اسمه


أنت تحلّق الآن بالقرب من أبينا (*)
هو ينظر إليك بحنو وعجز
***
كنّا معاً نخيط سجّادة عمادها الصبر والخوف، وكنت غير عابئ.
كان عليّ ان اقول: قلق أكثر، فتشغل نفسك بالأنيس.
لم يكن الأنيس سوى قصة خراب.
كنّا معاً في الأمسيات الباردة نذرع بغداد بحثاً عن أمل
أمل قد تراه في عينيّ صباغ الأحذية الكهل... 
أو في خطوات عابثة في البتاويين
كيف نجوتُ من ذلك؟ وكيف استطعتَ مبايعة آلامك حارساً شخصياً؟
أتساءل الآن بكثير من الاسترخاء
معي طفلة كنت أتمنى أن تستقبلك بحروفها الخالية من المعنى
كنت أتمنى أن تحملها في الهواء فأسمع شهقات فرحها وأنت تلوّح لها،
تماماً كما كنت تلوّح لأبيها، الذي هو أنا، عندما أخرج من سيارتك لتصدمني أخرى مسرعة في شارع الرشيد.
ياه... هل تذكر شارع الرشيد عندما صار قفراً؟
انت، يا سميّي، والشارع تؤمان
مثل رخامة فيه.. أو مقهى.. أو مسنٍ لا يجد ضيراً في الحديث عن التواريخ.
وكنتَ أكثرنا وسامة
فتانا الذي يمشي في الكرادة فتنشد شجيرات الشبوي تحيّته
ها أنت تغيب فيما كل شيء من حولي يدعو إلى كتابة مرثية
بلادنا التي صارت وهماً مكرّساً
المسارح التي عشقناها معاً
القصائد، وديستوفسكي، والسخرية اللاذعة
أمد يدي إلى جيبي 
وأغمض عيني



****

(*) روحك أخي عبد الخالق المختار مازالت ندية في ذاكرتي... كل يوم.. أتفقد رأسي كي أتيقن من أنك مازلت مقيماً ولم تبرح مكانك... كثير الهموم، الذي تعرفه، مشغول بما يصدر عنك من رقة تعودت عليها. رقة صارت اليوم أندر ما يمكن تخيله.


عمان

أواخر 2012

الأربعاء، 3 أغسطس 2016

مقاطع من قصة الرسول الذي لم يركب حصاناً قط



1.
كان من الممكن أن يهبط أرضاً غير هذه
لم يكن في الأمر معجزة أو حتى عثرة حظ
لقد وقف في مركز صحراء قاحلة
تلفّت كثيراً
ثم سار في الاتجاه الذي سيشيّد فيه، لاحقاً، خيمة
خيمته هو
أما الذين تهرّأت أجسادهم من رحلات النفي المستمرة
فلم يجدوا أخيراً غير ظلّ خيمة
ركعت أبلهم
تمطّت كلابهم
ووضع نسوتهم القدور على النار أخيراً


2.
مصر لم تعد ترسل الهدايا
مصر يحيطها بحر وصحراء، ثم بشر أجلاف
مصر التي يفتح أبناؤها الشبابيك فلا تجد من يغلقها
دهمها صوت الخيول وهي تعدو مسرعة
خمس وعشرون فارساً يحملون رؤوس الحكماء على أسنّة الرماح
ومن خلفهم قارعو الطبول
الطبول الضخمة
التي تصيب الفقراء بالطرش


3.
وفي أواسط العراق نحرت الخراف
رجال ضخام يدفعون دناناً من النبيذ عمرها بعمر هذي البلاد
كانت الخراف قد علّقت الآن على سياخ الشواء
وأجبرت النسوة على التعري، ومن ثم الرقص
في بابل كانت المرأة تخدم
وها هي تخدم أيضاً
الكهنة الذين شكلوا حلقة من نار حول سيدهم
باركوا العري
باركوا النبيذ
وباركوا اللحم المشوي
كل شيء هنا يكمل بعضه البعض
إلا أن لفح الصحراء كان قاسياً
المدن المشيّدة على ضفاف الانهار كانت قد بدأت النحيب
لقد سلب الكهنة نسائهم ونبيذهم وأغنامهم
ولم يتركوا لهم غير أغنية حزينة يرددونها في كل عام
أغنية بطلها رجل وسيم أحاط به خمس وعشرون حكيماً قبل أن يسلخوا جلده


4.
كان المطر قد توقف عندما دخل القرية رجل يعتلي جواداً
الأرض موحلة
والناس بلا هدى يبحثون عما يسدّ رمق الأطفال في هذا الشتاء اللعين
أصاخ الرجل أسماعه
هاله الأنين الذي لا ينقطع وهو يخرج من بيوت القرية بيتاً بيتاً
تذكّر البحيرة التي مرً بها قبل وصوله القرية بزمن يسير
لم يكن ذلك حلماً
الذين تجمعوا الآن قادمون من مختلف الأصقاع
بينهم رجال ضخام، فتيان بوجوه أنثوية، نساء بلا ملامح
آخرون بعيون مستطيلة
لا جياد هنا
ثمّة الكثير من البيارق، والقليل النادر من الماء
ثمّة الكثير من أسياخ الحديد، والقليل النادر من الجاموس
لا جياد هنا
لا ريب في أن الرجل الذي مرّ من هنا قبل هنيهة بدا متجهماً
كان هو
هو وليس سواه، الذي مرّر يديه على رأس غلام فتطايرت من حوله رؤوس الرجال
من هو؟
الرسول الذي لم يعرف أبداً شكل الخيول
ومع ذلك
يأكل من لحمها كل مساء


5.
أتت الفؤوس على الكثير من التماثيل
وتكفّل القحط الذي مرّت به الأرض باقتلاع الأشجار


6.
هذه الأكاذيب النديّة
يلقيها على الناس
فتزهر على الفور قبوراً

7.
نحن هنا لأننا نريد أن نبقى هنا
سنظل نغنّي في المساءات الحزينة، وقبل أن نهجع إلى مضاجعنا،
الأغنية ذاتها التي أنشدها أسلافنا
أغنية عن الفتيان الذين يأخذهم الكاهن في كلّ فجر لكي يلقي بهم إلى فم مفتوح، ثم يعود إلينا ببضعة ربطات من الخبز.
وبينما ننهمك بالتهام الخبز يكون كاهننا قد خلد إلى النوم مطمئناً
نحن هنا لأننا نريد أن نبقى هنا
سيتجمّع المئات من الرجال الأشداء
وسيلوّحون لأعناقنا بسيوفهم
ولكنّنا سنبقى هنا
حتى لو لم يصل الرسول الذي انتظرناه العمر كله
حتى لو سمعنا أن هؤلاء الرجال قد قطّعوا أوصاله في الصحراء
سنبقى هنا لأننا نريد أن نبقى هنا

*****


سيدني في
30/9/2015





الأحد، 31 يوليو 2016

سجدة


  
وضعتُ جبهتي على الرمل الجّافّ، والشّمس لمّا تشرق بعد. المحيط أمامي، تزبد الموجات غضباً، يكاد قلبي ينخلع من مكانه لذلك الصوت العنيف. كل شيء كان هادئاً عدا ذلك، ولم يكن في المكان غيري، أنا الذي لامست جبهتي الرمل الجّافّ.
قلت، وقد أغمضت عينيّ، أن هذه الموجات المرعبة لن تصل إلى مكاني، ستتكسّر بعيداً عني، وستظل تنشد مع نفسها، نشيداً شديد الخصوصية، هو نشيدها الذي لا يتّصل بنشيدي، ولن يتعدّاه. لم يكن رهاناً، بل اليقين الذي يدور حول رأسي، مثل هالة ملائكية، وربما العكس.
قلت، وقد أغمضت عينيّ، أن المحيط الذي يقع الآن أمامي ليس هو الذي سوف يشغلني عما أنا فيه من وجد مفترض. ثمة الساقين الورديتين اللتين حلمت بهما قبل ساعة، فولّيت الأدبار، وركضت جهة الساحل الذي أنا فيه الآن. الماء المالح وقد انهمر على رأسي، وتغلغل في مساماتي، لربما يكون الوحيد الذي يغسل آثامي. أستدركتُ: وهل لنصفِ عاقلٍ مثلي آثام أيضاً؟
انك تعرف جيداً أن لا أحد سيجيب على هذا السؤال. ستظل جبهتك ثابتة على الرمل، الرمل الجّافّ، والذي لن تصله موجات المحيط الغاضبات.
لقد رأيتكَ مجسداً للمرة الأولى. رأيتك بعيداً، البعد كله، عن الصورة التي لقّنونني إياها في طفولتي، كما كنتَ بعيداً عن الصورة التي رسمتها لكَ أيام فتوتي، وبعيداً أيضاً عن الصورة التي استخلصتها من الكتب ومحلات الورّاقين والخطّاطين، كانت صورتك بعيدة جداً عن تلك التي يعلقها الأمّيّون على حيطان غرفهم، ولا تشبه صورتكَ، التي أراها الآن ببراعة، الصورة التي يخفيها الأنبياء والفلاسفة على حد سواء. صورتكَ، التي أضغط عليها بجبهتي، مصنوعة من الرمل، وأنا أخشى، بقوّة وألم، من أن تصلها الموجات الغاضبات.
وهب أن الصورة تلاشت، فإن خرافتها تسكن الآن في باطن عقلي، وباطن روحي. انها تتشكل كلما أردت ذلك. أستدعيها فتحضر. ولكنها غير قادرة على فعل شيء سوى الحضور. يخيّل لي أن حضورها القاتم هذا جزء من لعبة شبيهة بألعاب الأندروييد المصمّمة للقتل، أكثر من ايّ شيء آخر. لم أكن أريد لصورتك أن تكون صورة قاتل مضطرب عقلياً، ولكنها الصورة التي توحي بذلك، وليس أنتَ.
سألتك: لم أكن أريد أن أجرّب كرمك، فأنت غنيّ، ومشهور بالغنى. تملك ما لا أملك. وتعطي ما لا أستطيع أن أعطي. فهل تبخل إلا معي؟ أتراك تدمن وضعي في هيئة الذي لا يقوى على المشي، وتطلب مني المشاركة في سباق للمائة متر– حواجز؟
تركتَ المقاعد كلها لتشغر. لم تتدخل في ذلك أبداً. كان أصحاب المقاعد يغيبون واحداً واحداً، وكنت تصمت عن ذلك. ومع نفسي، وجدت الحجج المناسبة لهذا الصمت. أنتَ لم تسألني تفسيراً، ولم تطلب مني تبريراً. أنتَ لم ترني أيضاً، ولكنني كنت أرى القاعة وهي تتخفّف من روّادها. مخيف هذا الذي يجري. خمسون عاماً تكاد تنقضي، وأنا لا أرى سوى مشهددٍ مكرّرٍ عن القاعة التي تتخفّف من روّادها.
سألتكَ: وكان الأطفال يتجمدون في الخيام. عام يتبعه عام من التقلبات المناخية الصّارمة. ما كان صحراءً بالأمس صارت تغطّيه الثلوج اليوم. النسوة لا يملكن أكثر من التحوّل إلى بغايا، ولا يملك الرجال مهمة أنصع من مراقبة الشارع. يتعثّر الرجال بكرات الثلج التي تخفي بداخلها قنانٍ من الدم. ومع أوّل شعاع للشّمس تنفجر الدمامل، ويكثر النحيب.
كان سؤالي عن الأب الذي قتل في المحرقة الأخيرة، أردنا الوصول لجثته فقط.
رأيتك تعلك مرّة. ومرّة كنت تدخّن الماريجوانا. رأيتك تحتسي نبيذاً أحمر من مزارع الجنوب. ورأيتُ ملعقتك الفضية، في طريقها لفمك، وهي تحمل الكافيار الممزوج بعصير الليمون. رأيت نهدين أنثويين بقربك، ولم أميّز صاحبتهما. رأيت خادماً يقف على رأسك ووراءه امرأة ثكلى. رأيت ورائهما غلاماً أمرد، ووراءه صبيّة بيضاء، وحول رأسها أفعى. رأيت شمعة على اليمين، وأختها على الشمال. رأيت البخور، والطيور، وصفّاً من العراة يحتشدون لأخذ أماكنهم. 
سألتك: أنا طمّاع مثل أخي، ولكنه يطيل النوم على عكس ما أحب. لم أره منذ ألف عام. ألفُ عام وهو يغطّ في النوم، أما أنا فأقضي الليالي منتظراً فجرها. في كل ليلة أجلس جوار النافذة وأتطلع إلى السماء. مرّت عليّ ألف ليلة وأخي مستغرق، قدّامي، بنومته. وفي ليلة موعودة هطل من السماء سيفٌ قطعه إلى نصفين. نصف تحوّل فوراً إلى أفعى خرجت حالاً من تحت الباب، فيما صار النصف الثاني رماداً.
سألتك عن الحكمة، إذن. لم يكن سوانا. أنا والأفعى. رأيت لسانها، فسجدتُ صريعاً.
رفعتُ رأسي وكانت الموجةُ الأخيرة قد ألقت كل ما حملته من قذارة على أطراف قدميّ.
****

سيدني في 5\2\2016