الأحد، 29 يونيو 2014


 جهاد الخازن: عنصري يكافح ضد العنصرية!

عبد الخالق كيطان

1.
أدّعي بأنني نجوت من محرقة الفكرة القومية، وشقيقتها الطائفية، منذ زمن بعيد. أحمد الله على ذلك.
2.
وبالطبع فإنني لست ضد القومية أو الطائفة. أفخر بقوميتي وطائفتي أيما فخر. فهما جزءان من أجزاء تشكل هويتي الشخصية.
3.
على أن القوميّ المتعصّب، وشقيقه الطائفيّ المتعصّب، تقوم حياتهما على فكرة إلغاء الآخر. شطبه. وهل يمكن أن يُشطب الآخر؟
4.
أمثلة عديدة في التاريخ عن هذين النموذجين. تحضر هذه الأمثلة بوصفها تعبيراً عن انحطاط الانسان. تحوله إلى آلة للقمع. لا يحضر مثالهما إلا وكان الموت هو النهر الذي حفراه بأيادٍ عارية.
5.
المناسبة؟
مقال "روتيني" للكاتب جهاد الخازن في جريدة "الحياة". ولقد جربت معنى المقال "الروتيني" ردحاً من الزمن! ولا أجد عيباً في جملتي السابقة.
أتابع، بسبب الروتين أيضاً، مقالات الخازن، وعشرات، وربما مئات الكتاب العرب. واسجل ملاحظاتي فأتفق مع هذا وأختلف مع ذاك. ولكن حالة الخازن منفردة، وليست فريدة، فلها أشقاء في "الشرق الأوسط" و"القدس العربي" و"العرب"، ولها اشقاء آخر في صحف تصدر في عمّان والكويت والقاهرة وتونس والرياض وبغداد... ألخ.. ألخ.. حالتهم تشبه المرض العضال، الذي تكشفه مجرد (كحة) خفيفة، فما بالك بمقال طويل عريض؟
6.
جهاد الخازن يكافح ضد العنصرية الاسرائيلية منذ سنوات طويلة. وهذا حقه. يعتقد أن الأمة الإسرائيلية أمة صهيونية لملوم. وهو حقه ايضاً. يصل في بعض اللحظات إلى ما يشبه فورة الغضب فتتبين من وراء سطور كلماته رغبة عميقة بأن يفني اليهود (لا يقول اليهود هنا، بل الصهاينة) عن بكرة أبيهم. ولك أن تتفق أو تختلف مع فكرة دموية مثل هذه. الحماسة القومية ذاتها التي يدينها أصحاب اليسار، وينعتون اليمين بها، وخاصة: اليمين المتطرف، الليكودي.. ألخ. ولكن هؤلاء يقعون في الفخ الذي نصبوه للآخر، فيصبحون يمينيون أكثر من اليمين المتطرف ذاته.
7.
في مقال نشره مؤخراً في "الحياة" وحمل عنوان "فؤاد عجمي" أراد الخازن أن يقول كلمة في رحيل صاحب العنوان، فيستهل مقاله بجملة تنضح تحريضاً، يقول: "توفي فؤاد عجمي. لعل من القراء مَنْ يذكر دوره في تأييد حرب إدارة بوش الابن على العراق ونشاطه ضمن المحافظين الجدد ضد العرب والمسلمين"، فهل يمكن أن تكون جملة مثل هذه سوى حكم بالإعدام؟ يتابع جهاد الخازن فيكتب مباشرة: "كتبت عنه غير مرة في حياته، وانتقدته بحدة. أما وقد مات فلن أهاجمه وإنما أسجل معلومات صحيحة عنه"، فما هي المعلومات الصحيحة هذه؟ إنها لا تعدو عن أن تكون مجموعة من الرصاص المليء بالحقد والكراهية، شريط طويل من الرصاص يبدأ بتهم العمالة لإسرائيل ولا ينتهي بكراهية العرق النقي، أي العرب.
يقول الخازن: "هو شيعي من أرنون في جنوب لبنان، ذهب الى الولايات المتحدة واختلف مع العرب فيها واختار الإنضمام الى أعدائهم. وكنت عرفت بموته من نعي تلقيته من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى الذي أسسه مارتن انديك للدفاع عن اسرائيل. وقرأت ان «الأمناء في المعهد والباحثين والموظفين ينعون غياب صديق وزميل وأستاذ يتمتع بحكمة نادرة وبُعد نظر وعطف...».
"نسمع: قلْ لي مَنْ تعاشر أقل لك مَنْ أنت. وفؤاد عجمي عاشر غلاة الصهيونيين والليكوديين، وكان جزءاً من حرب قتلت مئات ألوف العرب والمسلمين، وبقي على موقفه حتى مات بالسرطان".
وأترك لك التعليق حول شريط الرصاص هذا.
8.
في المقال ذاته يريد الخازن إدانة أستراليا لأنها لم تستخدم مصطلح "المتنازع عليها" في وصف القدس، فماذا يكتب؟ إنه لا يجد أسهل من القول أن رئيس الوزراء الأسترالي "يميني أحمق له مواقف ضد الدول العربية ومصالحها" وأن "بريطانيا العظمى نفت المجرمين الى استراليا وكانوا أساس الدولة التالية فقد بحثت عن أصل أبوت وفصله لعله يعود الى أولئك المجرمين القدامى، غير أنني وجدت أنه مهاجر ولد في لندن لأب انكليزي هاجر الى استراليا وأم استرالية ثم عادا الى بريطانيا".. أنظر لغة التحقير العنصري ضد أستراليا، حكومة وشعباً! وهو تحقير عنصري أيضاً ضد بريطانيا، التي يقيم الخازن فيها، حيث أنها أنجبت رئيس وزراء أستراليا... ثم يسألونك عن الجهاديين التكفيريين البريطانيين، هذا واحد منهم.
9.
وفي المقال ذاته، المنشور بتاريخ 29 حزيران 2014، يسخر الخازن من التضامن الدولي، الأميركي خاصة، مع الصحافيين الذين حكمت عليهم المحاكم المصرية بتهم الكذب والتحريض على العنف. لا يريد من ذلك سوى شتم أميركا. مثل أي عنصري متطرف يرى في الآخر مجرد عدو وإن كان موقف هذا العدو مع حريتك وضد عبوديتك. يستكثر أن تستنكر الولايات المتحدة تقييد حرية الصحافة! ماذا لو كان المستنكر غير أميركا؟
10.
يتساءل عرب عن سرّ تخلفنا، والجواب بسيط للغاية: وجود نخبة عنصرية، مثل السيد الخازن، هي أول البلايا. مثل هؤلاء يكفرون الآخر لمجرد أنه آخر، ناهيك عن إحساسهم العميق بالمظلومية، وهو إحساس صنعوه بأنفسهم فضخموه فألقوا بتبعاته على الآخر، دون أن نبرئ هذا الآخر من استمتاعه بالجلوس في كراسي المتفرجين ليضحك كثيراً.. وكثيراً.. من هذا العنصري الطائفي، وشقيقه القومجي!


*********

الاثنين، 9 يونيو 2014

وصايا إلى رزان



وأنت تتأخرين في النطق، تسبقك الحرب إلى المنطقة.
وهو فأل حسن، أن آخذك تحت جناحي، وأطير بك
أعبر القارات، واصل إلى المدينة الأبعد.
هناك، حيث لا سيارت مفخخة، ولا أحزمة ناسفة، بل شجر بنفسجي ينثر ألوانه فوق الرؤوس.
وأنت تتأخرين في النطق، تزدهر المهن المنقرضة.
لا أريد لك أن تعرفي شيئاً عنها، أريدك أن تنطقي بسلام، 
وأن تغنّي العصافير في الحديقة.
أبوك، الذي يشيب الآن، قصّته واحدة، ولأنك أنت، لا يريد لأذنيك أن تسمعان شيئاً من هذه القصة الرتيبة.
أبوك الذي في الأرض، آمن اليوم بأنها واسعة جداً، وأن الأوطان ليست أكثر من بقعة آمنة، وقليل من الكرامة.
***


عمان أواخر 2012
بمناسبة سعداوي وبلاسم: ليس وقت النقد بل الاحتفاء

عبد الخالق كيطان

خبران شكلا مناسبة، كبرى، للفرح، بالنسبة لي، وهما: خبر فوز الصديق الروائي أحمد سعداوي بجائزة البوكر العربية، والخبر الثاني: فوز زميله الصديق حسن بلاسم بجائزة الإندبندنت البريطانية للنص المترجم إلى اللغة الانجليزية لعام 2014.
وإذا كنت قد قرأت عمل سعداوي الاستثنائي "فرانكشتاين في بغداد" فإنني لم أقرأ بعد عمل بلاسم "المسيح العراقي"، ومع ذلك، فإنني أعتقد بشكل شبه يقيني بأن هذا العمل الأخير لا يختلف عن العمل الأول لجهة تسليط الضوء على المشهد العراقي المتشكل بعد العام 2003، ذلك المشهد الذي يمثل رعبه وعنفه وقسوته ذروة ما يمكن أن يشهده المرء من انحطاط. الكاتبان، كما أعرف، ركزا جلّ نتاجهما من أجل رسم ملامح هذا المشهد، وتقديمها للقارئ، سواء أكان القارئ عراقياً أو عربياً أو أجنبياً. وهما، أخيراً، قدما لهذا القارئ فرصة ممهورة بإبداعهما لاكتشاف بلاد تمّ ذبحها من الوريد إلى الوريد بحجج شتى.
يعمل سعداوي وبلاسم على نصوصهما بشغف. يكثران من الكتابة لأنهما يدركان أن ذلك هو التمرين الوحيد الذي يدفع بموهبتيهما إلى آفاق أبعد وأرحب. ينهلان من عجائبية المشهد العراقي، سياسيّاً ومجتمعيّاً على حدّ سواء. وهما، بمصادفة ليست غريبة، من ابناء الفقر العراقي. لم يكن الفقر هنا ليتحوّل عائقاً سواء على صعيد المبنى الفكري لكليهما أو لجهة الحقد على الآخر بوصفه المسبب لذاك الفقر. العكس هو الصحيح.
عمل سعداوي في قطاعات إعلامية مختلفة، ولقد تميّز في أغلب تلك القطّاعات. وقد أعطاه عمله هذا ميزة لم يكتسبها سواه من الروائيين العراقيين، وهي القدرة على التعامل مع مختلف الفنون الكتابية. ندرك أن أغلب الأدباء العراقيين يعملون في الصحافة، ولكننا لا نعرف عدد الذين جرّبوا مختلف الأنواع الصحافية، بما فيها الرسوم الكاريكاتورية. وعمله هذا كان تمريناً مستمراً من أجل الوصول إلى عمله المنحوت بصرامة، والحائز على الجائزة الأكبر.
أما بلاسم فقرّر الهجرة مبكراً من بلاده. لم يعد يتحمّل مشاهد الأذى في بغداد. دخل في متاهات من الجنونات الثقافية والاجتماعية، وفي كل تلك الجنونات كان حريصاً على أن يظلّ ينجز بعض الكتابات والأفكار التي بدت غريبة أو سوريالية.. لم لا... إنه الولد الذي نبت في صحراء القسوة. لم يشرب ماءً صافياً مثل أقرانه، ولم يلهو في أعوامه الأولى على عشب ندي... كلا.. صنعته المآسي العميقة، وكان أن وجد في الكتابة بعض سلوى.
وبعيداً عن حياة الصديقين سعداوي وبلاسم فإن عمليهما، الحائزان على جائزتين كبريين، يتماثلان في العنوان، والذي يحيل بدوره للتراجيديا العراقية. ففرانكشتاين سعداوي يصنع كائناً هو "الشسمة" من بقايا جثث ضحايا العمليات الإرهابية في بغداد. ولهذا يطلق على روايته عنوان: "فرانكشتاين في بغداد". وبإمكاننا الآن، دون أن نقع في فخّ السطحية، أن نرى في عنوان "المسيح العراقي" لبلاسم كائناً رسولياً ولكنّه معذّب، بل أن عذاباته لا تنتهي إلا بالصلب، ومع الصلب هذا يبقى رمزاً، ومناراً، تماماً كما المسيح عليه السلام.
رمزان كبيران وشهيران: فرانكشتاين الذي يخلق كائناً هجيناً من بقايا الجثث، والمسيح، عليه السلام، الهادي والمضحي. هما اللذان كانا محور العملين الذين قدمها سعداوي وبلاسم، فأجادا، وبسببهما حصلا على جائزتين كبيرتين.
الحق أقول أنني سعيد، أيما سعادة، بصديقيّ النبيلين، واستطيع أن اقول بثقة، وبلا عقد، بأنني شعرت بأن الجائزتين من حصّتي شخصياً. ولأنني مزهو بهذا الفوز الباذخ والنادر أجّلت الحديث في النقد إلى مناسبة أخرى وأنا أقدم حديثاً عن المحبة.. والفرح.


الاعلام العراقي والثورة المعلوماتية: جدل ما بعد التغيير



عبد الخالق كيطان*

ليس من السهولة على وسائل إعلام خضعت لعقود طويلة لهيمنة الحزب الواحد، الذي يتحكم بمختلف القطاعات، ثم يجد نفسه فجأة وقد تحرر كلياً من تلك الهيمنة، العمل في ظل فضاء آخر، متحرر بطريقة شبه مطلقة، سائبة إن شئت. الأمر هنا يشبه إطلاق سراح سجين أمضى خمسين عاماً في المعتقل الانفرادي ثم تطلب منه الاندماج مع الحياة من جديد.
في عقد التسعينيات الماضي تقلصت الصحافة المطبوعة في العراق إلى أدنى حجم ممكن. وظلت السلطة تتحكم بقناتين تلفزيونيتين هما كل الإعلام المرئي في البلاد، والأمر ينطبق على الإذاعة. أما الأنترنت فلم يكن معروفاً في العراق على نطاق واسع، وفي أواخر التسعينيات دخلت خدمة النت إلى مؤسسات خاصة جداً، أمنية على الأغلب، وإعلامية مرتبطة بالسلطة بشكل مباشر.
كانت دول الجوار العراقي تستفيد ببطء من التطور التقني الحاصل في وسائل الإعلام. كانت المفاجأة الشخصية الأولى بالنسبة لي على هذا الطريق عندما اكتشفت أن القسم الفني في جريدة "العرب اليوم" الأردنية لا يستخدم المقص واللاصق في تنفيذ الصفحات، كما تركت الأمر عليه في بغداد عام 1998. لقد دخلت الكومبيوترات بجد إلى صلب العملية التنفيذية في صناعة الصحافة المقروءة، وكان على العراق أن يصبر حتى انهيار الديكتاتورية ليستثمر هذه التقنيات الجديدة، والتي تختصر الوقت والجهد في عمليات إخراج الصحف.
وبسبب من قلة الكوادر المدربة، أنذاك، لجأت أغلب الصحف التي ظهرت بعد التغيير في العراق إلى تجربة المقص واللاصق من جديد، ولكن هذه المرة عبر عمليات قرصنة واضحة لما ينشر في صحافة العالم المختلفة، وكذلك في المجلات والصحف الألكترونية التي كانت قد انتشرت بشكل لافت. وجد المحرر العراقي نفسه أمام مهمة سهلة جداً تتمثل بالدخول اليومي على عشرات المواقع وانتخاب ما يصلح للنشر في الصحافة العراقية، ومع تقادم عمر التجربة الجديدة كان لازماً أن تفرز مجاميع صحفية عراقية تخالف هذه السيرة، بأن لجأت إلى تدريب أنفسها على مواكبة التطور التقني، وما تمنحه شبكة النت من معلومات وأفق كبير للمحرر، وبالتالي العمل على صناعة صحافة عراقية جديدة. لم يكن ذلك يعود إلى الشهور الأولى فقط التي أعقبت التغيير للأسف الشديد، فنحن في العام 2014 ونلحظ بوضوح في صحافتنا العراقية الورقية قرصنة مستمرة على ما تنشره مواقع ومجلات على الشبكة العنكبوتية، بل أن ثمة صحف كاملة تصدر اليوم بهذه الطريقة المخزية.
ومن المؤكد أن التمويل يمثل عائقاً حقيقياً أمام أي تطوير في هذا الخصوص. فالصحافة العراقية، على الأعم الأغلب، تتلقى تمويلها، الشحيح، من جهات حزبية أو جهات محسوبة على الأحزاب بطريقة غير مباشرة. والعقل الحزبي في العراق لم يزل ينظر إلى الصحافة بوصفها جزءاً من اكسسوار لازم للحياة الحزبية، لا بوصفها مشاركة في صنع الحدث، الأمر الذي يقود تلك الأحزاب إلى أن تكون بخيلة وشحيحة في دعمها لصحافتها.
كانت تجربة جريدة "الصباح" علامة بارزة على انفتاح صحافة ما بعد التغيير، وذلك من خلال استقطاب الجريدة لكفاءات عراقية وضخ الأموال اللازمة لظهورها بعدد كبير من الصفحات بالإضافة إلى عدد من الملاحق التخصصية اليومية. مع ذلك، كثيراً ما وجه النقد إلى هذه الجريدة بوصفها تتحول يوماً بعد آخر لتكون جزءاً من منظومة عمل الحكومة الإعلامية. لا يهم هنا أن تكون الحكومة إسلامية أو علمانية، فالمهم في الأمر تبعيتها لصالح صانع القرار. وبالرغم من قسوة مثل هذه الآراء فإنها تكشف، من جانب آخر، عن التركة الثقيلة التي ورثها الإعلام العراقي من عقود الديكتاتورية. كان الإعلام العراقي بشكل ثابت وواسع جزء من استراتيجيات عمل السلطة.
أما التجربة التي نفذها القطاع الخاص، مثل جريدة "العالم"، فسرعان ما وجدت نفسها محاصرة بشروط السوق التي تديم بقاءها أو العكس. شيئاً فشيئاً بدأت الجريدة تتحول إلى مطبوع مشابه لعشرات المطبوعات التي تتنفس من مال غير بعيد عن مال السلطة.
وقد امتدت أذرع الأحزاب المتنفذة في عراق ما بعد التغيير لتشمل الإعلام الفضائي، إذ يندر اليوم أن تجد فضائية عاملة في العراق بعيدة عن أجندات الحزب الذي تمثله، أو تمثل توجهاته. ولا يبتعد قطاع الإذاعة عن مثل هذا التوصيف بشكل أو بآخر.
عراقيون كثر دشنوا عصر المعلوماتية الجديد على الأنترنت من خلال تأسيس مواقع ومجلات لا تكلف الكثير من المال وإن كانت تكلف بعض الجهد والوقت. صار من السهولة بمكان أن تصدر جريدة ألكترونية ببصمة عراقية، مع ملاحظة إهمال شرط أن تكون تلك الجريدة صادرة في بغداد أو في أي بقعة وصلها عراقيون من هذا العالم الفسيح.
لقد قدمت مثل تلك المواقع والصحف خدمات كبرى للإعلام العراقي، وذلك لأنها، وببساطة شديدة، تحررت من الشروط القاسية التي يضعها الممول، الحزبي أو المستقل، أمام عمل الإعلام. وصارت تلك المواقع مصدر ثقة لوسائل إعلام معروفة وقارة. كما أن المواقع الجديدة استفادت من التقنيات التكنلوجية في متابعة الحدث العراقي، كما هو الحال في مواقع التواصل الاجتماعي "الفيس بوك" و"تويتر" و"انستغرام"، وغيرها. وأفادت أيضاً من الفيديوهات التي تنشر على الدوام عبر موقع (يوتيوب) المعروف. نستطيع اليوم، الحديث بثقة واطمئنان، عن الدور الحيوي والفعال الذي لعبته مثل تلك المواقع في توجيه الرأي العام، لا في العراق فحسب، بل في عدد من البلدان العربية التي دشنت شعوبها عصراً جديداً بات يطلق عليه: ربيع الشعوب العربية. ما كان يمكن للصحافة التقليدية، أو وسائل الإعلام التقليدية بلغة أكثر عمومية، أن تلعبه في هذا الزمن المتحرك، والذي باتت التكنلوجيا تتدخل في صياغته. دخلت الثورة المعلوماتية إلى العراق، والبلدان العربية الأخرى، لتجد أمامها أرضاً بكر، وجيلاً من الشبان الذين يتوقون إلى مستقبل جديد يمثل قطيعة من نوع ما مع عقود من القهر والتنكيل والتبعية.
إن أبرز ما يميز الإعلام العراقي بعد التغيير هو في صراع السيطرة على وسائل الإعلام بين أحزاب تمتلك إمكانيات مادية كبيرة وبين قطاع خاص يحاول الدخول، ولو بخجل، إلى الاستثمار في هذا القطاع الحيوي. وبين هذا وذاك يقبع الإعلامي العراقي الحر كسيراً منبوذاً، وفي أحوال أخرى طعماً في هذا الصراع. لا نعدم وجود التماعات هنا وهناك بالرغم من القيود، ولكن ذلك يظل شرطاً موضوعياً لتطور العمل الإعلامي في العراق. يجب أن نظل نتذكر على الدوام أن العبور من هذا البرزخ الذي يعيشه الإعلام العراقي، برزخ يكمن في التحول من عصر الديكتاتورية والرأي الواحد إلى عصر الديمقراطية وتعدد الآراء، هو مطلب ضروري للذهاب إلى المستقبل. ومن الصحيح جداً أن عملية التحول هذه لن تكون سلسلة وسهلة، شأنها في ذلك شأن التحولات الكبرى التي تشهدها قطاعات السياسة والاقتصاد والتعليم والأمن في بلادنا.
لقد دخلت إلى القاموس الإعلامي العراقي بعد التغيير الكثير من الاصطلاحات، كما تقدمت إلى الواجهة جدالات جديدة انبثقت من زخم الحرية التي هبطت على هذا الإعلام. وبالرغم من الفوضى التي رافقت عملية التحول التي نعيشها، وهي فوضى من الممكن تسميتها بالفوضى الخلاقة، إلا أنها أبرزت العديد من الظواهر الصحية. من حسن الحظ، أنني لست الوحيد الذي يجد في مثل هذه الفوضى الكثير من الآمال العريضة. وهي آمال ستتبلور وتتطور يوماً بعد يوم مع دخول أجيال جديدة إلى اللعبة الإعلامية، أجيال غير ملوثة بفايروسات الديكتاتورية، وأخرى تناضل من أجل الفكاك من التبعية إلى الأحزاب وأصحاب المال الذين يعرضون بضاعتهم على الإعلاميين الذين لا يجدون فرصاً متكافئة للعمل.
لقد دخلنا بالفعل في عصر الثورة المعلوماتية، وهي ثورة كبرى كما هو معروف، ولذا فليس من الصعب تخيل مستقبل تلك الثورة في عراق يطمح أبناؤه بمختلف أطيافهم إلى الولوج إلى عصر جديد.


·       شاعر وصحفي عراقي











خمسة زعماء في العراق وسادسهم ينتظر



عبد الخالق كيطان

لم يعد يفصل العراقيين عن موعد الاقتراع العام سوى بضعة أيام، وهو اقتراع سيقود لتشكيل حكومة جديدة. النظام الجديد في العراق كرّس مجموعة من القيم، والتي صارت شبه قوانين لتسيير الحياة في هذه البلاد، ومن تلك القيم ما عاد يعرف بالمحاصصة. والمحاصصة، في أبسط تعريفاتها، هي محاولة لمنح الفئات كلها حصة في الحكم.
ولقد قاد نظام المحاصصة هذا إلى أن يقود البلاد، وفقاً للدستور، شخص رئيس مجلس الوزراء. وبما أن الأحزاب الشيعيّة حصدت في الدورات الانتخابية الماضية المراتب الأعلى في نتائج التصويت فلقد صار المنصب من حصة الشيعة، يدعم ذلك تصوّر قارّ بأن الشيعة هم أكثر عدداً من السنّة والكرد وباقي الفئات.
المناصب الأخرى، وأبرزها رئاسة البرلمان ورئاسة الجمهورية، لم يولها الدستور العراقي، بعد العام 2003، الأهمية التي أولاها لمنصب رئيس مجلس الوزراء. أحزاب الشيعة، إذن، وجدت في المنصب الأبرز ضالتها، وتركت للآخرين التقاتل من أجل المنصبين الآخرين.
طبقاً لهذا التصور، الذي حدّدته، كما أشرنا، قيم غير مكتوبة في الدستور، فإن منصب رئيس مجلس الوزراء سيكون من حصة أحد التيّارات الشيعيّة الكبرى التي تتنافس في الانتخابات، وهي:
-        حزب الدعوة وتحالف دولة القانون بقيادة رئيس مجلس الوزراء الحالي نوري المالكي.
-        المجلس الأعلى الإسلامي بزعامة عمار الحكيم.
-        التيار الصدري الذي يشرف عليه السيد مقتدى الصدر.
وتنضوي داخل هذه التيّارات الرئيسة أحزاب ومكونات شيعيّة أخرى صغيرة، أبرزها جماعة الفضيلة الذين يتبعون مرجعية الشيخ اليعقوبي، وجماعة بدر الذين يتبعون زعيمهم هادي العامري، المنشق عن مجلس الحكيم والملتحق بركب المالكي، وهنالك عصائب أهل الحقّ المنشقة عن التيار الصدري واللاحقة بالمالكي أيضاً. دون أن ننسى تياراً شيعياً آخر يمثله السيد ابراهيم الجعفري، وهو تيار منشق بالأصل عن تيار حزب الدعوة.
أما أبرز مرشحي تلك التيارات لمنصب رئيس الوزراء فهم:
عن التيار الأول: نوري المالكي، علي الأديب.
عن التيار الثاني: عادل عبد المهدي، باقر جبر صولاغ، أحمد الجلبي.
عن التيار الثالث: ؟
أما تيار الجعفري فيقدم زعيمه بوصفه "القوي الأمين" لمنصب رئيس مجلس الوزراء، على أن قناعة شعبية، وأخرى في أروقة الساسة، تفيد باستحالة ذلك. لن يسمح تيار المالكي له بالصعود من جديد، وقل الأمر نفسه على باقي المكونات الشيعيّة. فيما السنّة يرون فيه شراً لا يقلّ عن شرّ المالكي، وكثيراً ما يسخر الكرد من هذا الرجل الذي حكم العراق لشهور عدّة شهدت أكبر موجة عنف طائفي في البلاد وختمها بكتاب يروي فيه سيرته في الحكم!
وتبدو حظوظ علي الأديب معدومة جداً، مع ذلك يرد أسمه، واسم مدير مكتب المالكي طارق نجم، باستمرار بوصفهما من الممكن أن يشغلا الموقع في حال أصرّت باقي الأطراف، شيعيّة وسنيّة وكرديّة، على رفض تولّي المالكي لولاية ثالثة. والأديب رجل إيراني فيما الثاني دمية بيد المالكي، وفي الحالين فهما لن يكونا الخيار الأصحّ.
ماذا عن نوري المالكي؟ لقد كتبت في هذا الرجل الكتب، ولم يعد متسع لكي نضيف شيئاً إلى ذلك. بقاؤه في الحكم معناه تكريس مقصود لتدمير العراق بشكل نهائي.
أما المرشّحون الذين يبشّر بهم المجلس الأعلى فتشوبهم جميعاً بعض الشوائب، فيما ينظر لهم السنّة نظرة فيها الكثير من الريبة وإن كانت نظرتهم لهم أقل سوءاً من نظرتهم لجماعة المالكي. ويبقى الكرد في هذه المعادلة الأقرب لجماعة الحكيم من جماعة المالكي، دون أن يعني ذلك استبعاد مفاجآت المصالح التي قد تظهر بعد فرز نتائج الانتخابات.
السيد عادل عبد المهدي متقلب في الأفكار، وهذه ليست مثلبة، ولكنه يتماهى مع الكتلة التي ينتمي لها فيبدو سلبياًّ في الكثير من الأحيان. كانت صوره في المواكب الحسينيّة تريد تقديمه بوصفه أبن الطائفة، ولكنها عكست من جانب آخر صورة عن رجل الدولة في العراق الجديد! ثم جائت قصة مصرف الزوية في بغداد لتلقي ظلالاً كئيبة على صورته الغامضة، وعلاوة على ذلك فالرجل يكرّس صفحاته في مواقع التواصل الاجتماعي لنشر الأدعية، وخصوصاً مساءات الخميس! ويوجه عبد المهدي نقدات خجولة، وأحياناً تكون حادة، لسياسات رئيس مجلس الوزراء الحالي، وذلك عبر الجريدة التي يملكها "العدالة". ومن الجدير بالذكر هنا القول أن مرتبات العاملين في الجريدة، ناهيك عن حقوقهم، تنسجم وسيرة الصحف الحزبية الأخرى، على ما أفاد عدد من العاملين في الصحيفة قبل سنوات وهم يتشكون من حالهم غير القانوني، بل غير الانساني.. أنتم تتذكرون، في هذا السياق، أن قتلة حرس مصرف الزوية ولصوصه قد لاذوا بمقر الجريدة هذا!
وبرغم مقبوليته من قبل بعض السنّة، وما يرد من تصريحات كردية، لمنصب رئيس الوزراء، إلا أن أطرافاً نافذة في التيارات الشيعيّة ترى فيه شخصاً ضعيفاً يجيد التنظير أكثر من العمل، وإن كانت صفة التنظير هذه حصرية بالسيد ابراهيم الجعفري الذي يتفوّق على عبد المهدي بقدرة خطابية. كما أن مقبوليته من قبل إيران والولايات المتحدة ودول الإقليم والمحيط العربي موضع شكوك.
وعلى هذا المنوال يمكن استبعاد المرشح الثاني لمجلس الحكيم، وهو السيد باقر جبر، فسيرة "الدريل" التي شاعت إبان توليه وزارة الداخلية في حكومة الجعفري، على كل لسان. التيارات السنيّة والكرديّة بشكل عام لن تقبل به رئيساً للوزراء حتى لو غيّر من خطابه وبدّل من أساليبه، ولقد فعل ذلك حقاً في الأعوام الأخيرة. ماذا عن علاقاته العربية والدولية؟ صفر على الشمال!
ويبقى شخص أحمد الجلبي، الذي اقترن اسمه بقانون تحرير العراق الذي أقرّته إدارة الرئيس بيل كلنتون عام 1998. وكان الجلبي من أوائل الساسة المنفيين الذين دخلوا العراق. صوره بقبعة الكابوي ترافقه أبنته ببنطال الجينز في صحراء الناصرية أكسبته المزيد من الأصدقاء، كما الأعداء. ولكن حملة أميركية منظّمة تقصّدته، خاصة وانه يمّم وجهه شطر إيران. لقد أدرك الرجل قوة طهران في المعادلة السياسيّة الجديدة في العراق، ولكنه فشل على الدوام في أن يقود العراق. وبالرغم من صلاته الوثيقة مع جزء من القوى الكردية، إلا أن الجزء الأقوى كان دخل معه في حرب علنية تكللت بطلب مباشر من قبل السيد مسعود البرزاني للرئيس الأسبق صدام حسين بضرورة التدخل، فأرسل هذا الأخير قوات الحرس الجمهوري لتطرد جماعة الجلبي من شمال العراق عام 1996. وعلى جانب سنّة العراق فهم ينظرون له بوصفه أحد أبرز المسهمين في غزو العراق وإسقاط نظامه الوطني، وهم لن يسامحوه على ذلك. فيما علاقاته العربية سيئة جداً، خصوصاً مع أحد أبرز دول الجوار، وهي المملكة الأردنية الهاشمية، على خلفية قضايا نصب مصرفي.
هؤلاء هم أبرز الذين تتداول التيارات الشيعيّة أسماؤهم بوصفهم مرشحيها لمنصب رئاسة الوزراء، وكما يبدو فهم متساوون لجهة ضعف حظوظهم، فيما يبقى المرشح السادس، والذي هو مرشح التيار الصدري مجهولاً.
لقد تنقل الصدريون من خانة حمل السلاح بوجه الجميع لخانة تغليب لغة الحوار مع الجميع. وبالرغم من شبهات فساد تحيط ببعض أسماءهم البارزة فإن خطاب زعيمهم في الأعوام الأخيرة، بما تضمّنه من انفتاح وتسامح ورغبة في تجاوز عثرات الماضي، شكل نقلة جديدة وبارزة في المشهد السياسي العراقي. ومع هذا التحول بدأت قيادات في التيار الصدري تروّج لمقولة أن منصب رئيس الوزراء القادم سيكون من حصتهم. وبدأ التيار يتداول أسماء عدد من رموزهم بوصفهم المرشحين المحتملين، ومن هؤلاء السيد علي دوّاي، محافظ العمارة.
ولكن ما هي مؤهلات السيد دوّاي السياسيّة والفكريّة لمنصب خطير هو منصب قيادة العراق، غير ارتداءه بدلة العمل الزرقاء وأكل البيض المقلي رفقة عمال البلدية على الأرصفة؟
ربما يكون أسم السيد دوّاي قد قذف على الطريق لجسّ النبض، فيما ادّخر قادة التيار الصدري أسماء أخرى، خاصة وان التيار يضمّ مجموعة بارزة من العقول التي يمكن التعويل عليها. 
لقد فرض النظام الجديد في العراق معادلات بعيدة البعد كله عن معايير السياسة المعروفة، وبالتالي، فليس من الغريب أن ينتج هذا النظام مجموعة من المرشّحين لقيادة العراق أسوأهم أحسن من أفضلهم!


****