الأحد، 11 سبتمبر 2016

نافذة معلقة في الهواء




كم كنت مدهشة وأنت تقفين جوار النافذة!
الموسيقى المنبعثة من العطر الذي تضعين تأخذني إلى غابة نائية
الغابة على رأس جبل... والصعود إلى قمة هذا الجبل تحتاج مهارة في قيادة السيارة.. كيف لي أن أكون ماهراً في القيادة وقد أمضيت عقوداً في الخوف منها؟ ذلك الخوف الذي زرعه فيّ أب كادت السيارة أن تقصف عمره..
كان عليّ أن أتعلم القيادة من أجل اللحظة هذه..
طريق مخيف لسائق بلا خبرة يريد أن يصل إلى غابة على قمة جبل..
وكنت واقفة جوار النافذة المعلقة بالهواء
شاهدت من حولك الكثير من العصافير والفخاتي التي لم يفزعها، على غير عادتها، حركة يديك في تصفيف شعرك المتوسط ..
أدرك أيتها المرأة أي صدفة قادتني إليك... وتدركين أي صدفة وضعتني في طريقك
فهل الصدفة هي المعيش الذي نبذل من أجله حياتنا؟
وهل كنت، على الأقل، أبحث عن صدفة كي يتمدد جسدي ويأخذ له قسطاً من الأمل بعد ما مضى من تاريخ طويل أنفقته في الفجيعة؟
فخ كنت؟
وماذا يهم ما دام هذا الفخ يمنحني فرصة استثنائية للفرح..
نقف كلانا على قمة الجبل، وسط الغابة تحديداً..
نستذكر فيلما يصرخ بطله وهو يحتضن شجرة عملاقة
يصرخ ليطلق آهته..
ولكننا لا نصرخ هنا بل نصمت
ومن حولنا أصوات الطبيعة ترسل مفاتنها على هيئة طيور وريح وموسيقى متداخلة
أنت أمامي... أنا في نصف حضور
وبيننا هذا الصباح الممتد على آخره
نعيد معاً أو نستعيد حركة المتثائب في جبهة حرب
وتصرخين: يا للتشبيه! تفرين مذعورة إلى أقصى الغابة
أركض مسرعاً في اتجاه آخر
ثم نلتقي عند دائرة فوق القمة تتسع لمجنونين من زمن عاطل
كم كنت مدهشة وأنت تقفين جوار النافذة!
النافذة المعلقة في الهواء!



****

الأربعاء، 7 سبتمبر 2016

المعجزة





تبدأ الرجفة في رأسه 
يمضي ساعات وهو يتطلع إلى معجزة
كل افتراض يحمل استحالته أيضا 
البداهة تستدعي افتراضا يمكن تحقيقه
يرفع رأسه مرات
ومرات ينكسر
يخاطبه:
يا سندي في الملمات، هل تصبر قليلا؟
ومثل ذرة رمل لا تريد أن تضيع في زحمة الموج 
يدير رأسه سريعا
انه يبحث ويبحث
وفي كل بحث يجريه
ثمة لهاث لا ينقطع
ثمّة أنين 
وسائد غير مرتبة
كؤوس من الشجن والمرارة
المعجزة لا تتحقق
أن تتحقق المعجزة يعني أنها افتراض ممكن
هي مثله 
وهو مثلها
شريكان هما في الجريمة التي اقترفاها: 
قتل المعجزة!


سيدني
11/08/2016



http://www.tatoopaper.com/news.php?action=view&id=1865

الجمعة، 2 سبتمبر 2016

أبناء القيامة




تقول حبيبتي: نحن أبناء القيامة، فيزداد التراب الأحمر على الرؤوس. 
 القيامة التي ترعد في العراق بين لحظة وأخرى، تمرين على محو من ظلوا يناكفون بعضهم بحديث الشيعة والسنّة... 
هذه ليست سوى سجايانا، بها نعبر إلى قرن جديد، ومنها نستلُّ سيوفنا في التصدي لبعضنا..
قيامتنا التي نصنعها اليوم، بلا بصيرة، بل بشهوة المحو الذي كنت أتحدّث عنه.
أمرُّ في بغداد، وأرى يافطات المحو في التقاطعات والشوارع العامّة...
من أين خرج كلّ هؤلاء؟ وكيف وصلوا إلى سجايانا؟ 
كنت أمرُّ جوار حائط كونكريتيّ، على الحائط صورة أحدهم، وغير بعيد عنه، بقايا أكياس من النايلون... صخب في الشارع، لأن الجندي المأمور لا يسمح جهازه الرفيع* للسيارات بالمرور... شتمه جاري، تأفّفتُ... وأخرج أحدنا رأسَه من النافذة ليبصق. أدرت وجهي إلى حيث ترطن مسنًة بما لا أفهم... دعتني لأن أراجع حساباتي قبل أن أحرّك شفاهي. زمجر سائق السيارة "الكيا"** غاضباً على "سايبا"*** تجاوزته بعنف... لم يتمالك الجالس ورائي نفسه، أشعل سيجارة قضى دخانها على ما تبقى من عطر "شانيل" الذي تعطّرت به قبل ساعتين. هل هذه هي القيامة؟
***
عمّنا الهاشمي القرشي، فيصل الأول، يتحوّل إلى سنّي يقصي الشيعة، ويتحوّل عبد الكريم قاسم، الذي أهان الدولة، إلى شيعيّ يريد إعادة النصاب لأهله... ثم يأتي الفارس الأوحد، الملهم بإذن ربه، فيتقاذفه الفريقان، ولا ننجو من حممه حتى وهو يرقد في القبر... من خلّفوه، ليسوا أكثر من حفنة منتقمين.. انتقموا من الإنسان... من الزرع.. ومن الماشية.. انتقموا من الجمال، والبيوت الآمنة.. أنتقموا حتى من أرصفة العزّل، فأعادوا طلائها عشرات المرات في عام واحد، كان لزاماً علينا أن نسبح مع السيارات في شارع ضيق بهذا العام الواحد.. المنتقمون، ورثة الدم العراقي، لا يبهرهم مشهد الأشلاء في غير مكان... فهل هذه هي القيامة؟
***
وفي المنافي، يذرف العراقيون دموع الحسرة على بلاد ضيّعوها، أو أضاعتهم. يعودون بين حين وآخر ليرتشفوا منها عذاباً مضافاً. وفي منافيهم البعيدة يتسمّرون أمام شاشات الكومبيوترات بحثاً عن أمل. لا أمل أيها الفارّون... لا أمل... احمدوا ربكم الذي خلقكم على نعمته عليكم... فالتراب الأحمر والمفخّخات لن تبقي لكم في بلاد المولد سوى بضع حجارات... محسودون أنتم على نحيبكم.. محسودون على التهمة الجاهزة: نساء شقراوات، ونبيذ أحمر، وحقول خضراء... ثم لماذا تضيّعون الوقت بالنحيب؟ القيامة لا تحب النحيب... القيامة أن تدوسوا على لحمكم، وربما تطعموه لكلاب الزينة خاصّتكم... فهل حقاً هذه هي القيامة؟
***
وأذرع بلادي عارفاً بمتاهاتها كلّها... اذرعها دون خوف طائفي، ولماذا أخاف وأنا لا أملك في أرض الله غير روحي وبضعة محبين؟ أجول بين أنهارها التي تتيبّس كل يوم، النهران العظيمان يطلقان الجثث الآدميّة، والأسماك شحّت..  صحاري البلاد تقذفنا بالحمم... ومزارعها فقيرة وحيواناتها نفقت.. أجول بين مدن يخجل الرب من النظر إليها... بين قرى أصابها الفزع فانقطعت الدجاجات فيها عن اللهو، وهزلت أغنامها... لم يكن في حسابي أن يعود العراقي إلى فطرة قابيل، "فَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ"... فهل هذه هي القيامة؟
***
القيامة
القيامة
القيامة
كلنا نبصق في البئر الذي شربنا منه ذات يوم، فعن أي قيامة أتحدث؟ 
*******

عمان في 
19\4\2012


* جهاز لكشف المتفجرات يستخدمه الجنود العراقيون في الحواجز التي تملئ المدن. أصبح مادة للسخرية بعد أن كشف النقاب عن فساد عظيم في الصفقة التي وصل بموجبها للعراق.
**الكيا: سيارة نقل جماعي منتشرة في بغداد ومدن العراق الأخرى.
***سايبا: سيارة أجرة، صغيرة الحجم، صناعة إيرانية، تكاد تكون الأشهر في عراق ما بعد 2003.