الاثنين، 9 يونيو 2014

الاعلام العراقي والثورة المعلوماتية: جدل ما بعد التغيير



عبد الخالق كيطان*

ليس من السهولة على وسائل إعلام خضعت لعقود طويلة لهيمنة الحزب الواحد، الذي يتحكم بمختلف القطاعات، ثم يجد نفسه فجأة وقد تحرر كلياً من تلك الهيمنة، العمل في ظل فضاء آخر، متحرر بطريقة شبه مطلقة، سائبة إن شئت. الأمر هنا يشبه إطلاق سراح سجين أمضى خمسين عاماً في المعتقل الانفرادي ثم تطلب منه الاندماج مع الحياة من جديد.
في عقد التسعينيات الماضي تقلصت الصحافة المطبوعة في العراق إلى أدنى حجم ممكن. وظلت السلطة تتحكم بقناتين تلفزيونيتين هما كل الإعلام المرئي في البلاد، والأمر ينطبق على الإذاعة. أما الأنترنت فلم يكن معروفاً في العراق على نطاق واسع، وفي أواخر التسعينيات دخلت خدمة النت إلى مؤسسات خاصة جداً، أمنية على الأغلب، وإعلامية مرتبطة بالسلطة بشكل مباشر.
كانت دول الجوار العراقي تستفيد ببطء من التطور التقني الحاصل في وسائل الإعلام. كانت المفاجأة الشخصية الأولى بالنسبة لي على هذا الطريق عندما اكتشفت أن القسم الفني في جريدة "العرب اليوم" الأردنية لا يستخدم المقص واللاصق في تنفيذ الصفحات، كما تركت الأمر عليه في بغداد عام 1998. لقد دخلت الكومبيوترات بجد إلى صلب العملية التنفيذية في صناعة الصحافة المقروءة، وكان على العراق أن يصبر حتى انهيار الديكتاتورية ليستثمر هذه التقنيات الجديدة، والتي تختصر الوقت والجهد في عمليات إخراج الصحف.
وبسبب من قلة الكوادر المدربة، أنذاك، لجأت أغلب الصحف التي ظهرت بعد التغيير في العراق إلى تجربة المقص واللاصق من جديد، ولكن هذه المرة عبر عمليات قرصنة واضحة لما ينشر في صحافة العالم المختلفة، وكذلك في المجلات والصحف الألكترونية التي كانت قد انتشرت بشكل لافت. وجد المحرر العراقي نفسه أمام مهمة سهلة جداً تتمثل بالدخول اليومي على عشرات المواقع وانتخاب ما يصلح للنشر في الصحافة العراقية، ومع تقادم عمر التجربة الجديدة كان لازماً أن تفرز مجاميع صحفية عراقية تخالف هذه السيرة، بأن لجأت إلى تدريب أنفسها على مواكبة التطور التقني، وما تمنحه شبكة النت من معلومات وأفق كبير للمحرر، وبالتالي العمل على صناعة صحافة عراقية جديدة. لم يكن ذلك يعود إلى الشهور الأولى فقط التي أعقبت التغيير للأسف الشديد، فنحن في العام 2014 ونلحظ بوضوح في صحافتنا العراقية الورقية قرصنة مستمرة على ما تنشره مواقع ومجلات على الشبكة العنكبوتية، بل أن ثمة صحف كاملة تصدر اليوم بهذه الطريقة المخزية.
ومن المؤكد أن التمويل يمثل عائقاً حقيقياً أمام أي تطوير في هذا الخصوص. فالصحافة العراقية، على الأعم الأغلب، تتلقى تمويلها، الشحيح، من جهات حزبية أو جهات محسوبة على الأحزاب بطريقة غير مباشرة. والعقل الحزبي في العراق لم يزل ينظر إلى الصحافة بوصفها جزءاً من اكسسوار لازم للحياة الحزبية، لا بوصفها مشاركة في صنع الحدث، الأمر الذي يقود تلك الأحزاب إلى أن تكون بخيلة وشحيحة في دعمها لصحافتها.
كانت تجربة جريدة "الصباح" علامة بارزة على انفتاح صحافة ما بعد التغيير، وذلك من خلال استقطاب الجريدة لكفاءات عراقية وضخ الأموال اللازمة لظهورها بعدد كبير من الصفحات بالإضافة إلى عدد من الملاحق التخصصية اليومية. مع ذلك، كثيراً ما وجه النقد إلى هذه الجريدة بوصفها تتحول يوماً بعد آخر لتكون جزءاً من منظومة عمل الحكومة الإعلامية. لا يهم هنا أن تكون الحكومة إسلامية أو علمانية، فالمهم في الأمر تبعيتها لصالح صانع القرار. وبالرغم من قسوة مثل هذه الآراء فإنها تكشف، من جانب آخر، عن التركة الثقيلة التي ورثها الإعلام العراقي من عقود الديكتاتورية. كان الإعلام العراقي بشكل ثابت وواسع جزء من استراتيجيات عمل السلطة.
أما التجربة التي نفذها القطاع الخاص، مثل جريدة "العالم"، فسرعان ما وجدت نفسها محاصرة بشروط السوق التي تديم بقاءها أو العكس. شيئاً فشيئاً بدأت الجريدة تتحول إلى مطبوع مشابه لعشرات المطبوعات التي تتنفس من مال غير بعيد عن مال السلطة.
وقد امتدت أذرع الأحزاب المتنفذة في عراق ما بعد التغيير لتشمل الإعلام الفضائي، إذ يندر اليوم أن تجد فضائية عاملة في العراق بعيدة عن أجندات الحزب الذي تمثله، أو تمثل توجهاته. ولا يبتعد قطاع الإذاعة عن مثل هذا التوصيف بشكل أو بآخر.
عراقيون كثر دشنوا عصر المعلوماتية الجديد على الأنترنت من خلال تأسيس مواقع ومجلات لا تكلف الكثير من المال وإن كانت تكلف بعض الجهد والوقت. صار من السهولة بمكان أن تصدر جريدة ألكترونية ببصمة عراقية، مع ملاحظة إهمال شرط أن تكون تلك الجريدة صادرة في بغداد أو في أي بقعة وصلها عراقيون من هذا العالم الفسيح.
لقد قدمت مثل تلك المواقع والصحف خدمات كبرى للإعلام العراقي، وذلك لأنها، وببساطة شديدة، تحررت من الشروط القاسية التي يضعها الممول، الحزبي أو المستقل، أمام عمل الإعلام. وصارت تلك المواقع مصدر ثقة لوسائل إعلام معروفة وقارة. كما أن المواقع الجديدة استفادت من التقنيات التكنلوجية في متابعة الحدث العراقي، كما هو الحال في مواقع التواصل الاجتماعي "الفيس بوك" و"تويتر" و"انستغرام"، وغيرها. وأفادت أيضاً من الفيديوهات التي تنشر على الدوام عبر موقع (يوتيوب) المعروف. نستطيع اليوم، الحديث بثقة واطمئنان، عن الدور الحيوي والفعال الذي لعبته مثل تلك المواقع في توجيه الرأي العام، لا في العراق فحسب، بل في عدد من البلدان العربية التي دشنت شعوبها عصراً جديداً بات يطلق عليه: ربيع الشعوب العربية. ما كان يمكن للصحافة التقليدية، أو وسائل الإعلام التقليدية بلغة أكثر عمومية، أن تلعبه في هذا الزمن المتحرك، والذي باتت التكنلوجيا تتدخل في صياغته. دخلت الثورة المعلوماتية إلى العراق، والبلدان العربية الأخرى، لتجد أمامها أرضاً بكر، وجيلاً من الشبان الذين يتوقون إلى مستقبل جديد يمثل قطيعة من نوع ما مع عقود من القهر والتنكيل والتبعية.
إن أبرز ما يميز الإعلام العراقي بعد التغيير هو في صراع السيطرة على وسائل الإعلام بين أحزاب تمتلك إمكانيات مادية كبيرة وبين قطاع خاص يحاول الدخول، ولو بخجل، إلى الاستثمار في هذا القطاع الحيوي. وبين هذا وذاك يقبع الإعلامي العراقي الحر كسيراً منبوذاً، وفي أحوال أخرى طعماً في هذا الصراع. لا نعدم وجود التماعات هنا وهناك بالرغم من القيود، ولكن ذلك يظل شرطاً موضوعياً لتطور العمل الإعلامي في العراق. يجب أن نظل نتذكر على الدوام أن العبور من هذا البرزخ الذي يعيشه الإعلام العراقي، برزخ يكمن في التحول من عصر الديكتاتورية والرأي الواحد إلى عصر الديمقراطية وتعدد الآراء، هو مطلب ضروري للذهاب إلى المستقبل. ومن الصحيح جداً أن عملية التحول هذه لن تكون سلسلة وسهلة، شأنها في ذلك شأن التحولات الكبرى التي تشهدها قطاعات السياسة والاقتصاد والتعليم والأمن في بلادنا.
لقد دخلت إلى القاموس الإعلامي العراقي بعد التغيير الكثير من الاصطلاحات، كما تقدمت إلى الواجهة جدالات جديدة انبثقت من زخم الحرية التي هبطت على هذا الإعلام. وبالرغم من الفوضى التي رافقت عملية التحول التي نعيشها، وهي فوضى من الممكن تسميتها بالفوضى الخلاقة، إلا أنها أبرزت العديد من الظواهر الصحية. من حسن الحظ، أنني لست الوحيد الذي يجد في مثل هذه الفوضى الكثير من الآمال العريضة. وهي آمال ستتبلور وتتطور يوماً بعد يوم مع دخول أجيال جديدة إلى اللعبة الإعلامية، أجيال غير ملوثة بفايروسات الديكتاتورية، وأخرى تناضل من أجل الفكاك من التبعية إلى الأحزاب وأصحاب المال الذين يعرضون بضاعتهم على الإعلاميين الذين لا يجدون فرصاً متكافئة للعمل.
لقد دخلنا بالفعل في عصر الثورة المعلوماتية، وهي ثورة كبرى كما هو معروف، ولذا فليس من الصعب تخيل مستقبل تلك الثورة في عراق يطمح أبناؤه بمختلف أطيافهم إلى الولوج إلى عصر جديد.


·       شاعر وصحفي عراقي











ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق